تأملات في وثيقة ترشيد العمل الجهادي


(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)

في شهر نوفمبر من عام 2007 م نشرت العديد من الصحف ووسائل الإعلام ما يسمى بـ(وثيقة ترشيد العمل الجهادي)، وقد قرأت الوثيقة، وتأملتها وأعدت النظر فيها أكثر من مرة منذ صدورها، ووجدت الناس تجاهها على طرفي نقيض، فمنهم من يقبل الوثيقة على علاتها لكونها صادرة عن منظر معروف وموثوق به وذا سابقة شهيرة في التنظير للعمل الجهادي، ومنهم من يردها جملة وتفصيلاً بحجة أنها انتكاسة عن طريق الجهاد وتنكب له، وأن ظروف كاتبها وكونه في السجن دفعته لكتابتها دون تجرد.

ورأيت أن (كلا طرفي قصد الأمور ذميمٌ) ، وأن العدل هو في التوسط والاعتدال، فالوثيقة في نهاية المطاف عمل بشري لا يخلو من الخطأ، ومبدأ (المراجعة) أو (المحاسبة) للنفس والعمل مبدأ شرعي مرغب فيه.

لهذا جاء هذا المقال لإبداء بعض الملاحظات على وثيقة ( د. فضل) الموسومة بـ( ترشيد العمل الجهادي) وردود الفعل التي أعقبتها ومن أهمها (كتاب التبرئة) للدكتور أيمن الظواهري.

وسوف يكون الحديث وفق النقاط التالية :
أ – ضرورة الترشيد .
ب – مضمون الوثيقة.
ج – ملاحظات عامة على الوثيقة .
د – مقتطفات مختارة من الوثيقة.
هـ – ردود الفعل.
و - توصيات حول ترشيد العمل الجهادي .
فإلى المقال ...

أ – ضرورة الترشيد :
إن الترشيد والمراجعة والنقد الذاتي أمور في غاية الأهمية، وذلك بغية التأكد من سلامة المسيرة وصحة التوجه، وهو واجب على كل التيارات الإسلامية أياً كانت مسمياتها، ومجالات عملها، كما أنها – أي المراجعة – متأكدة في الجانب الجهادي بشكل أكبر، لما يسببه الانحراف في هذا المجال من خطورة وآثار سلبية مدمرة .

وخصوصاً مع المعايشة اللصيقة لما حصل في الواقع الجهادي من أخطاء وتجاوزات في الوقت الراهن مما أضر بمفهوم الجهاد وشوه صورته، إضافة إلى ما ترتب على ذلك من خسائر مادية وبشرية، فكانت الحاجة ماسة إلى ترشيد العمل الجهادي، وتمييز ما يصح نسبته للجهاد الشرعي وبين ماهو دخيل عليه، حتى وإن فعل باسمه وتحت مظلته، ومن قبل بعض أبنائه المخلصين.

ب – مضمون الوثيقة :
* اسم الوثيقة : ( وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم )
* الكاتب : سيد إمام الشريف - يحمل اسمين حركيين في الأوساط الجهادية، هما الدكتور فضل والدكتور عبد القادر بن عبد العزيز، وهو منظر للتيارالجهادي وأستاذ أيمن الظواهري وأمير تنظيم الجهاد (المصري) في مرحلة من مراحله.
ويعتبر المنظر الرئيس للتيار الجهادي في المرحلة السابقة، ولاشك أن لمراجعاته أثر على أبناء هذا التيار مهما سعى المخالفون له للتقليل من أهميتها.
* الوثيقة : يستعرض (د.فضل) في هذه الوثيقة عدداً من الأدلة الفقهية والشرعية، و ينتهي بها إلى تحريم اللجوء إلى العنف، وأهمية عدم الخروج على الحاكم الظالم كما يستعرض في كتابه قضية ضبط العمليات الجهادية وفق المنظور الشرعي والدعوة إلى استمرار العمليات ضد القوات الأجنبية في العراق وأفغانستان .
وكان (د.فضل) قد عمل، منذ أن تسلمته مصر من اليمن عام ٢٠٠٤، على توحيد المراجعات الفقهية لقادة فصائل الجهاد داخل السجون، وبينهم نبيل نعيم وعبد العزيز الجمل وأنور عكاشة وآخرون، وبعد حواراته العميقة مع هذه القيادات بدأ في إعداد ( الوثيقة ) والتي تقع في 111 صفحة.

* يمكن تقسيم المادة التي تعرضت لها الوثيقة إلى الأقسام التالية :
1- توضيح بعض ما فهمه الناس عن (د.فضل) خطأً من خلال كتبه السابقة .
2 - الاعتذار والتراجع عن بعض الأفكار، والأساليب، والأحكام على الأشياء والأشخاص، وكأني به قد تبين له من خلال التجربة خطأ هذا الأسلوب وتلك الأفكار والأحكام ولكن بشكل غير صريح.
3 - نقد بعض الأخطاء والتجاوزات في العمل الجهادي مما كان ينكره ويفتي بخلافه سابقاً.

ج – ملاحظات عامة على الوثيقة :
· كتبت الوثيقة في أجواء تنقصها الحرية، ويشوبها الكثير من ضعف الثقة لكونها جاءت من وراء القضبان، وهذا من أسباب ضعف تأثير الوثيقة وسهولة مهاجمتها واتهام مصداقيتها.

· كتبت الوثيقة بروح غاضبة وبنفس متشنجة في الموقف من (القاعدة) و(جماعة الجهاد المصرية) مما أثر على النَفَس العام للوثيقة، وجعل القارئ يشعر بمجافاة الكاتب للإنصاف وأن ما يطرحه (د.فضل) إنما هو ردود فعل غاضبة، بروح انتقامية، تفتقد الموضوعية، مما أثر سلباً على مدى القبول لها، ولو خلت الوثيقة من هذا لكانت محل قبول عند عدد كبير من أبناء التيار الجهادي.

· كان من الأولى أن يكون لدى (د.فضل) من الشجاعة مايجعله يعترف بالأخطاء التي وقعت منه بصراحة ووضوح، ويعلن تراجعه عنها بدلا من التنصل منها تارة، واتهام الآخرين بسوء الفهم تارة أخرى، فإن الاعتراف – لو حصل- لكان أبرأ لذمته أمام الله، وأكثر قبولا عند خلقه، وهذا يشمل الأخطاء في الأحكام أو في الأفكار أو في الأسلوب، ومثاله : تجرئة الشباب غير المؤهل على التكفير وتنزيله على الأعيان .

· يظهر لي أن من أسباب الوثيقة محاولة الكاتب التخفيف عن المعتقلين والسعي في الإفراج عنهم ويظهر هذا في موضعين: أولهما : حين تحدث عن جواز الأخذ باليسر والرخصة الشرعية لرفع الحرج ودفع المشقة، وكان مما كتب هنا :( فلايجوز الإنكار على من أخذ بجواز الرخصة الشرعية خصوصا في الشدائد كما لايجوز للمسئولين في الجماعات الإسلامية أن يلزموا أتباعهم بالعزيمة إذا أرادوا الأخذ بالرخصة)، وثانيهما: في مبحث (السعي في فكاك أسرى المسلمين واجب) حيث قال: ( وفي هذا الزمان هناك من تسببوا في سجن المئات بل الآلاف من المسلمين بحماقاتهم والسجن بلاء .. فإذا قام من يسعى إلى فكاكهم الذي هو واجب عليهم أنكر عليه هؤلاء الحمقى وطلبوا منه السكوت فهل هذا إلا من الجهل بالدين ومن قسوة القلوب).

· يلحظ القارئ للوثيقة ضعفاً علمياً بيناً، فلم تخرج الوثيقة بتأصيل علمي قوي يتناسب مع حجم د.سيد إمام وكتاباته السابقة، ولعل السبب أنها كانت تهدف إلى مخاطبة قطاع كبير من الشباب الذين يهمهم الجانب الفكري في الموضوع أكثر من التأصيل الشرعي وأعتقد أنه سيكون مضطراً للرد العلمي على كتاب (التبرئة) للدكتور أيمن الظواهري وبخاصة أن الأخير أثار عدداً من التساؤلات وطلب الرد عليها.

· جاء ربط مسمى الوثيقة بـ(ترشيد العمل الجهادي في مصر) ليضفي عليها طابع من الخصوصية المناطقية، وأنها تهدف إلى تهدئة الأجواء وحل الاحتقان والتوتر الذي يقع في الساحة المصرية، ولاتخدم ترشيد الجهاد بشكل عام، ولو تناولت المسائل والنوازل الجهادية المجردة لكانت أثوى تأثيراً وأحرى بالقبول وبخاصة أن ممارسات النظام المصري في الحرب على الدعوة والعمل الإسلامي والتعامل مع اليهود لا تسمح بنجاح الدعوة إلى التهدئة .

· احتوت الوثيقة على مالا يمكن قبول تغيّر قناعة (د.فضل) به، مثل ( الاعتراف بشرعية النظام الحاكم في مصر)، ولعل من مسببات ذلك – وفق ما أراه – أن ذلك جاء على سبيل الإكراه والظرف الذي يعيشه داخل السجن، كما أنه قد يكون من أسباب ورود ذلك المثال ومايشابهه في الوثيقة : التخفيف عن بعض الموقوفين والتفريج عنهم بنوع من المداهنة أو المداراة لدرء المفسدة الكبرى بارتكاب الأدنى.

· في الوثيقة بعض التعميمات التي يشكو منها الدكتور في مؤلفاته السابقة مما قد يفهم على غير مقصوده.

· من الأخطاء الأساسية في الوثيقة أنها مبنية على فكر (د.فضل) السابق، فأصبحت تهدف إلى تبرير التناقض والاختلاف بين ماكان يقوله سابقاً ومايقوله حالياً، وكان الأولى أن تكون الوثيقة ترشيداً للعمل الجهادي القائم، من خلال دراسته في ضوء الأحكام الشرعية، ثم يمكن لـ (د.فضل) أن يبرر بعد ذلك ما كان مخالفاً لما يقوله به سابقاً.

د – مقتطفات مختارة من الوثيقة.
برغم ماسبقت الإشارة إليه من ملاحظات اتسمت بها وثيقة ترشيد العمل الجهادي، إلا أن الوثيقة احتوت على العديد من التقريرات والتنبيهات المهمة، والتي يحتاج إليها العمل الجهادي، ونسوق هنا بعض العبارات الواردة في ثناياها :

- [ الموقعون على هذه الوثيقة ... يذكرون أنفسهم وعموم المسلمين ببعض الضوابط الشرعية المتصلة بفقه الجهاد، ويعلنون التزامهم بهذه الضوابط الواردة بهذه الوثيقة، ويدعون غيرهم من المسلمين وبصفة خاصة الأجيال الناشئة من شباب الإسلام إلى الالتزام بها وألا يقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من مخالفات شرعية عن جهل بالدين أو عن تعمد، فلا هم أقاموا الدين ولا أبقوا على الدنيا خاصة وأن الجهاد فريضة ماضية في أمة المسلمين منذ أن شرعه الله تعالى وإلى أن يقاتل آخرهم الدجال مع السيد المسيح في آخر الزمان كما أخبرنا بذلك نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي وصف الجهاد بأنه (ذروة سنام الإسلام) إذ به يحفظ الله على المسلمين دينهم ودنياهم وبه عزتهم وكرامتهم في الدنيا والآخرة، ومن هنا لزم ترشيد فهم فريضة الجهاد ]

- [ لا يجوز لغير المؤهلين شرعياً من أفراد الجماعات الجهادية تنزيل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة على واقعنا الحاضر، فالنصوص الشرعية (الكتاب والسنة) وإن كانت ثابتة لا تتغير، إلا أن فيها خيارات تناسب كل واقع وحال، وهذا لا يدركه إلا خبير بالشرع ].

- [ كتب علماء السلف كتبهم لزمان غير زماننا، كان للمسلمين فيه دار إسلام وخلافة وخليفة وتميز بين الصفوف وبين الناس بعضهم بعضا، المسلمون في دار الإسلام والكفار في دار الحرب، وفي دار الإسلام يتميز الذمي عن المسلم في المظهر، كل هذا لا وجود له الآن واختلط الناس، وهذا من الواقع المتغير المختلف الذي يوجب الاحتياط عند الاطلاع على كتب السلف وعند الحكم على الناس].

- [ لا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد، فإن الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب، وقد قال تعالى «يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا» ].

- [لقد رأيت بعض من لا يحسن الإجابة عن سؤال في فقه الصلاة أو الطهارة في حين أنه يفتى ويأمر بإهدار الدماء والأموال بالجملة. فهل يسوغ هذا في دين الإسلام؟]

- [لا تقبل قولاً أو فتوى من أحد خاصة في هذه المسائل الحرجة كالدماء والأموال إلا بحجة، والحجة هي الدليل الشرعي من كتاب الله تعالى أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم ثم الإجماع المعتبر والقياس الصحيح].

- [التحذير من فقه التبرير، وقد كثر في هذا الزمان أن يستحسن إنسان أمرًا ما أو يرتكب حماقة ثم يبحث لها بعد ذلك عن دليل من كتاب أو سنة يبرر به حماقته ويدفع به اللوم عن نفسه، وهذا موجود في الأفراد والجماعات، ولن يعدم أحدهم أن يجـد شـبهة مـن دليـل، ولكنه فهمه وحمله على غير مراد الشارع كما قال تعالى «وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا» ]

- [ فلولا الجهاد في فلسطين لزحف اليهود منذ زمن على الدول المجاورة، ولولا الجهاد في العراق لزحفت أميركا على سورية منذ زمن ولاستعبدت شعوب المنطقة، فلا يحل لمسلم أن يطعن في فرائض الشريعة كالجهاد وإرهاب الأعداء إذ بذلك يحفظ الله على المسلمين دينهم ودنياهم، فلسطين ].

هـ – ردود الفعل
جاءت ردود الفعل على صدور (الوثيقة) قوية ومباشرة وسريعة من عدد من أصحاب الاتجاه المخالف لمحتواها، وكلهم -حسب تقديري- عاملها بالنقد الصارخ مع ضعف في الموضوعية : الظواهري - أبويحيى – أبواليزيد – هاني السباعي.
وأعتقد أن سبب ذلك خوفهم من تأثيرها على أبناء التيار الجهادي وذلك لقوة تأثير ( د. فضل) العلمي وتاريخه الجهادي المعروف.
ومن أشهر ما كتب في الرد على (الوثيقة) كتاب د. أيمن الظواهري المسمى ( التبرئة).
وهاأنذا أسوق عدداً من الوقفات على كتاب التبرئة :
· حاول الكاتب أن يبتعد عن التجريح والعبارات الخشنة ما أمكنه ذلك لكنه لم يستطع في بعض المواضع وإن كان الغالب على الرسالة محاولة الهدوء والحرص على الموضوعية في النقاش والرد.

· ركز الكاتب على الملاحظات دون أن يعترف ببعض الجوانب الإيجابية في الرسالة، والتي من بينها ماسبقت الإشارة إليه في (إيجابيات في وثيقة الترشيد).

· حاد الكاتب عن الإجابة على بعض التساؤلات المحرجة ومنها : معصية أسامة للملا محمد عمر بالعمل في الخارج ، حيث حاد إلى ذكر تخطيط أمريكا لضرب أفغانستان وإلى الموقف المشرف الذي وقفه الملا محمد عمر، وتجاهل السؤال الذي طرحه(د.فضل) بشكل جلي في الوثيقة.

· ألزم الكاتب صاحب الوثيقة بلوازم لاتلزم وفهم عبارات الوثيقة بطريقة لعل الكاتب لم يقصدها.

· يلاحظ أن الظواهري لم ينتقد (د.فضل) في ثناء الأخير على (حزب الله) وكأن صاحب التبرئة يوافقه على ذلك.

· كما أن (د. فضل) انتقد كثيراً أداء القاعدة دون أن يعترف بأن جزءاً من تلك الأخطاء والانحرافات بسبب ماكتبه هو، فإن د. أيمن الظواهري كذلك قد وقع فيما وقع فيه (د.فضل) حين لم يعترف بتجاوزات القاعدة وأخطائها التي شوهت صورة الجهاد وأضرت ببعض المواقع الساخنة وأعطت الذريعة للأعداء للتدخل في البلاد الإسلامية، وهذا التنصل عن الاعتراف مما يضعف المصداقية في طرحه، مع أن الحديث عن الأضرار التي تترتب على بعض أعمال القاعدة ليست مما تفرد به (د. فضل) بل لقد شاركه كثيرون ممن لا يشك فيهم صاحب التبرئة مثل أبي مصعب السوري الذي كتب عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

· يلاحظ القارئ لكتاب التبرئة أن د. الظواهري قد اعتبر هذه الوثيقة - لكونها تنتقد القاعدة وتصرفاتها – اعتبرها تصب في خدمة المشروع الصليبي، وكان من ضمن ماقاله الظواهري: (فهذه التراجعات لم تكتب في ظروف القهر والسجن والخوف فقط، ولكنها كتبت بإشراف، وتوجيه، وتدبير وتمويل وإمكانات الحملة الصليبية اليهودية)!! وهو بذلك يغلق الباب أمام جميع الناصحين، ويعتبر أي نقد موجه للقاعدة وقوفاً مع الصليبيين في خندق واحد!.

· تأرجح الكاتب في نقده لصاحب الوثيقة فحيناً يجعل المسبب لكتابتها (الإكراه) وحيناً يتهم الكاتب في نيته، وأنه كتبها طمعاً في الدنيا، أو رغبة في الخروج من السجن.

و - وقفات حول ترشيد العمل الجهادي :
(1) واجب أهل العلم :
إن على أهل العلم الربانيين أن يتدخلوا لترشيد العمل الجهادي وإخراجه من دائرة التهارج بين التيارات المتباينة مابين تيار محبط يدعو للاستكانة والخنوع والاستسلام للعدو، وتيار متهور يعلن الحرب على كل من حوله من غير بصيرة بالهدي النبوي وظروف الواقع التي يعيشها والآثار السلبية المترتبة على كلا القولين فادحة تتجرعها الأمة في عدد من ميادينها وساحات العمل فيها.
وبخاصة أن الانحراف في مجال الجهاد له آثاره المتعدية والفتاكة مابين تشويه صورة الجهاد وإعطاء العدو الفرصة للتخذيل عنه وإساءة فهمه من قبل المخاطبين به من أبناء الأمة الإسلامية إلى تسويغ التدخل الأجنبي في البلاد الإسلامية وإيجاد الذريعة لذلك .
ولذا يجب التصدي لهذا الانحراف بكل قوة حتى لو أدى إلى خسارة بعض الفئات المتهورة وتحذير الأمة من مسلكها وأنها لا تمثل المشروع الجهادي .

(2) التحفظ غير المشروع :
قد يتحفظ بعض المخلصين عن نقد التيار الجهادي، ويعد ذلك صورة من إعانة الأعداء و تخذيل المجاهدين، وهذا في نظري نقص في التصور وبعد عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الترشيد، فإن الانحراف الموجود لدى بعض أبناء التيار الجهادية ( مثل العمل في البلاد الإسلامية واستهداف المخالفين من أهل السنة) أضر على الجهاد وعلى أهل السنة مما يقوم به الأعداء الصرحاء.
ومع تقديري لورع هؤلاء المخلصين المتحفظين على نقد التيار الجهادي ونصحهم ورغبتهم في الخير إلا أن منهج القرآن والسنة أولى بالاتباع، والحق أحب إلينا من كل حبيب.
إن السكوت عن هذا الانحراف مع كثرة التجاوزات هو في الحقيقة ضرب من الخيانة للعمل الجهادي ومحاباة للناس على حساب الشرع ، وتضييع لمصلحة الأمة وهو سبب للفشل والهزيمة.
وإن الداعين إلى ترشيد العمل الجهادي هم أنصار الجهاد الحقيقيين وهم الأكثر غيرة على واقعه ومستقبله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي يرويه أنس رضي الله عنه "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" أخرجه البخاري.
ولقد كان من منهج القرآن والسنة : نقد المخطئين علانية والتبرؤ من عملهم، ولم يجامل القرآن الكريم خيار هذه الأمة من الصحابة، بل لامهم وعاب عليهم فعلهم عندما وقع منهم الخطأ في معركة أحد، إذ يقول تعالى (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)، فإذا كان القرآن لم يجامل خيار هذه الأمة، فكيف لنا أن نسكت عن أخطاء من دونهم؟.

(3) عدم الترشيد سبب للفشل والهزيمة:
إذا كانت الهزيمة في معركة أحد تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم بسبب معصية الرماة (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنىّ هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم)، وإذا كان الصحابة الكرام تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم قد عوقبوا بالهزيمة والقتل والجراح في (أحد) بسبب معصية بعضهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف سيكون أثر هذه التجاوزات الكبيرة التي تقع من بعض المجاهدين اليوم؟
وهل يمكن أن يتنزل النصر والحالة هذه؟ إن الله تعالى قد وعد المؤمنين بالنصر، ولكن ذلك مرهون بأن يحقق المؤمنون في أنفسهم شرط هذا الوعد الرباني ، وإلا فسوف تجري عليهم سنن الله تعالى التي لاتحابي أحداً، مع كثرة عدوهم وكثرة عدته، وقلتهم وقلة عتادهم .

(4) التجاوزات المنهجية:
إن ما يقع الآن من تجاوزات وانحرافات من قبل المنتسبين للتيار الجهادي ليست من الأخطاء العارضة التي تقع دون قصد، ولكنه بات منهجاً مطرداً له سمات ومعالم تميزه عن غيره، ومن تلك السمات: انتهاك حرمة المخالف، واستباحة دمه، والتساهل في شأن الدماء بعامة، والإسراف في القتل تحت ذريعة التترس، والغلو في الحكم على الآخرين من المجاهدين والعلماء والدعاة، والتهاون في التكفير، وتنزيل الأحكام على الأعيان من غير مراعاة لضوابط أهل العلم في ذلك، وتقع هذه الأخطاء بشكل منتظم، وتتكرر دون إنكار أو محاسبة.

وختاماً ..

أرجو أن أكون قد أوصلت للقارئ الكريم عموماً، ولأبناء التيار الجهادي خصوصاً رسالة مهمة، وهي ضرورة ترشيد العمل الجهادي، وتصويبه، وتقويمه، ومعالجة الأخطاء و الانحرافات حين وقوعها، بالعودة إلى الكتاب والسنة، والتأمل في السيرة النبوية الشريفة، وسير السلف الصالح، طمعاً في تحقيق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والسير على منهاجه، وتحقيق النصر لهذا الدين، والرفعة لهذه الأمة المباركة.
وأن من الواجب علينا قبول الحق ممن جاء به، ولا يصدّ عنه كونه صادراً ممن عرف عنه القول بخلافه سابقاً، فإنه لا يبطل الحق سبق المخالفة له، ولا يبطل الحق أن ينطق به المرء في ظروف وأحوال غير مناسبة، فالحق أحق أن يتبع أياً كان قائله، فهو ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها .

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد

وقفات مع حصار غزة

( أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه )

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن ما حدث في قطاع غزة من حصار جائر وقصف مستمر أمراً جديداً على السياسة الصهيونية، فإن الغاية عندهم تبرر الوسيلة تنظيراً وتطبيقاً.
وحصار غزة وإن كان مستمراً منذ زمن طويل، لكن الصهاينة قد ضاقوا ذرعاً بكل النجاحات التي حققتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ووصولها إلى حكم الأراضي الفلسطينية، ومن ثم حاولوا إسقاط هذه الحكومة من الخارج والداخل، والتضييق عليها، وإيقاف تدفق البضائع والأموال والأدوية والنفط، بحصار مشدد، باتت فيه غزة تختنق شيئاً فشيئاً، فكان نسف أجزاء من السياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزة و مصر من قبل بعض الفلسطينيين بمثابة طوق نجاة تمكن من خلاله الفلسطينيون من الدخول إلى مصر والحصول على الأطعمة والألبسة والعلاج إضافة إلى البنزين وغيره من المحروقات التي تمكنهم من صنع طعامهم، وتسيير الأجهزة الطبية التي تتوقف عليها حياة المرضى والمصابين من جراء القصف اليومي للطائرات الإسرائيلية.
دلائل ومنارات:
لقد أبانت هذه الأحداث الماضية مجموعة من الدلالات التي يجدر الوقوف عندها.. وها أنا أسوقها مرتبة كما يلي:
* أوضحت الأحداث أن أصحاب المبادئ الأقوياء لا يبالون بما يقوله العالم كله عنهم، بل يسيرون وفق ما يحقق مصالحهم الذاتية دون النظر فيما يتسبب فيه ذلك من أضرار على الآخرين، ولهذا نرى هؤلاء اليهود يخالفون كل الأعراف والمبادئ والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
* أوضحت الأحداث أن التنظير والتطبيق أمران مختلفان جداً، وأن المعايير المستخدمة في الأمور الدولية هي معايير غير عادلة بحال، فهانحن نرى إيران – على سبيل المثال - تطالب بحقوق الأقليات الشيعية في الخليج ولكنها بالمقابل تمنع بناء أي مسجد لأهل السنة في العاصمة طهران، برغم أن أعداد الإيرانيين من أهل السنة بالملايين، وهاهو (الغرب) الكافر الذي طالما تشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وتغنى بهما في كل ناد، إلا أنه ومن خلال أقواله وأفعاله يضرب بهذه الحقوق عرض الحائط حين يكون الطرف المظلوم مسلماً، فهاهو يسكت عن الانتهاكات اليهودية في فلسطين، وعن الانتهاكات الروسية في الشيشان، وعن ألوان أخرى من الانتهاكات التي تمارسها الكثير من دول العالم تجاه رعاياها المسلمين.
* أوضحت الأحداث أن الآلة الإعلامية لها أكبر الأثر في تهييج الرأي العام وتشكل مواقفه، فاليهود وهم الجناة الظالمون يبدون لكثير من دول العالم وشعوبها وكأنهم أصحاب الحق، وأنهم يعيشون تحت التهديد المستمر من صواريخ القسام، وذلك لما يملكونه من ترسانة إعلامية ضخمة، ونفوذ واسع في دول الغرب جعل الناس يتحاشون الحديث عنهم أو نقدهم، ومن صنع ذلك فإنه عرضة للاتهام بالعداء للسامية والتلوث بالعنصرية، مما يدفع المتحدث للاعتذار لهم على الملأ.
* يجب أن لانخدع بما يطرحه العدو في وسائل إعلامه من أنه قد هُزم أمام حركة حماس أو أمام الفلسطينيين، سواء في حديثه عن قطاع غزة أو سواه، لأنه وإن اعتبرها هزيمة وخسارة، فإن ذلك ينطلق من طموحاتهم ومخططاتهم الكبيرة، فهم يطمحون لاستذلال جميع الفلسطينيين فإذا تمردت طائفة منهم مهما كانت صغيرة اعتبروا ذلك نوعاً من الهزيمة والخلل الذي يجب تداركه.
* يجب على المسلمين أن لايخدعهم بعض مايصرح به اليهود من تحقيق حماس أو المقاومة الفلسطينية لبعض النجاحات، فإن ذلك عند الانشغال به قد يدفع للفرح والاستبشار – وهما أمران مطلوبان – والغفلة عن منجزات العدو ونجاحاته التي طغت في كل الميادين، وقد يكون تلك التصريحات صورة من صور الخداع والحرب الإعلامية، والتي تهدف إلى إشعار المسلمين بالنصر، فيسكنوا ويناموا فلا يستيقظوا لمساعدة إخوانهم ومدافعة عدوهم، ومثل هذا ما يصدر عن الأمريكان في العراق و أفغانستان بين الفينة والأخرى، إذ أنها في غالب الأحيان تكون للمقارنة بين الطموح والواقع فحسب.
* أظهرت هذه الأحداث تمايزاً واضحا في الصفوف، وكشفا للمتاجرين بالقضية الفلسطينية، ولذا وقف هؤلاء المتاجرون في خندق الأعداء إما بصورة إيجابية أو سلبية، والنتيجة متقاربة، فمنهم من أعان العدو ومنهم من منع الصديق من إيصال الإعانة، فكلاهما في خندق واحد.
* أبانت هذه التحديات الكبيرة ضرورة الاجتماع والوحدة، وأن التفرق هو المناخ المناسب الذي يتحرك فيه العدو لكسب جولات جديدة في الصراع الدائر على كافة المستويات وفي شتى الميادين، وأنه لابد من التنازل والتطاوع بين المؤمنين والاجتماع ولو على المفضول طمعاً في تحقيق الوحدة.
* أوضحت الأحداث ضرورة إحياء مفهوم الولاء والبراء فالمؤمنون إخوة، وهم أولياء بعض، كما أن الكفار أولياء بعض في جميع الأزمة والأمكنة، قال تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)
* دلت هذه الأحداث على نجاح حملة العداء فيما يسمى (مكافحة الإرهاب) فمع وضوح الظلم والعدوان الذي يمارس على أهالي غزة، إلا أن إخوانهم وقفوا شبه مشلولين، وكان الأمر لا يعنيهم خوفا من أن يصنفوا ضمن دائرة الإرهاب، مع أن ظلم العدو في هذه الحالة بين وواضح لكل ذي عينين.
* كانت ولازالت هذه الأحداث الصارخة فرصة لتحريك الأمة لصالح قضية فلسطين ولصالح الجهاد بشكل عام، وكشف أعداء الأمة من الأمريكيين على حقيقتهم الصليبية، وتنكبهم لشعاراتهم الداعية إلى إعطاء الإنسان حقوقه الأساسية، مقابل إرضاء حفنة من اليهود تعيث في الأرض الفساد.
* إن ما يجري في غزة امتحان للمؤمنين من أهل فلسطين وخارجها، وعلى كل أحد أن يري الله من نفسه خيرا، كل بحسبه، فكما أن الله ابتلى أهل فلسطين بمصاولة اليهود ومنازلتهم، فقد ابتلانا نحن في مناصرتهم والوقوف معهم والشعور بالجسد الواحد، فهل ننجح في هذا البلاء؟.
* كشفت الأحداث مدى تمسح إيران الصفوية الرافضية بالقضية الفلسطينية، فلم يظهر لإيران أي دور في هذه الأزمة الخانقة التي يمر بها أهالي غزة الصامدة.
وسوف أبعث هاهنا بعدد من الرسائل، آمل أن تصل إلى المعنيين بها، وأن ينفع الله بها، وأن تكون لبنة في مشروع نصرة إخواننا هناك :
الرسالة الأولى: لإخواننا المحاصرين في فلسطين وقطاع غزة:
1 - عليكم أن تتذكروا أن ما يصيبكم من مصائب الجوع والقتل والجرح ونقص الأموال والثمرات إنما هو ابتلاء من الله وسنة من سننه تعالى، وقد حصل ذلك لمن هو خير منكم، ولتتذكروا حصار المسلمين الأول في شعب بنو عامر، حيث حوصر سيد الأنام وأصحابه وآله، واشتد عليهم الحصار واستمرت المعاناة واشتدت وطأة الجوع على رسول الله وأصحابه حتى أكلوا ورق الشجر وأكلوا الميتة والجلود، وكانت وطأة الجوع أشد على الأطفال والرضع الذين لم يجدوا حتى حليب الأمهات ملاذاً، فتذكروا ذلك جيداً ليعينكم على الصبر والسلوان.
2 - راجعوا أنفسكم وصححوا منهجكم وعلاقتكم بربكم، فإن الله تعالى يقول ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهاهو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يقول لجيشه وهو يودعه : ( احذروا الذنوب والمعاصي فإنها أخوف عليكم من عدوكم).
3 – أحسنوا الظن بالله تعالى، وذلك مع الحرص على استكمال أسباب النصر والفرج، فقد وعد الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالنصر والتمكين وحسن العاقبة ووعده لايخلف، يقول تعالى (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون) ويقول (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
4 – أروا الله من أنفسكم خيراً في التكافل فيما بينكم والرحمة والشفقة من بعضكم لبعض، وقد أشاد النبي صلى الله عليه وسلم بالأشعريين كما في البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري إذ يقول صلى الله عليه وسلم (إن الأشعريين إذا أرملوا (أي فني زادهم) في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منى وأنا منهم) أفلا ترضون أن تكونوا ممن قال عنهم رسول الهدى ( فهم مني وأنا منهم ).

الرسالة الثانية : لأعضاء الحركات الجهادية في قطاع غزة:
1 – على الإخوة في حماس أن يشركوا جميع الصادقين من أبناء الشعب في إدارة المجتمع ويمنحوهم الفرصة للمشاركة في البناء بغض النظر عن انتمائهم الحزبي، وليترفعوا عن الجانب الحزبي الذي قد يطغى على بعض المتحمسين من أبناء حماس، كما يجب عليهم أن يحرصوا على أن تكون المكتسبات لصالح الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية من ورائه وليس لصالح الحركة فحسب، ويجب أن يخضع أفراد حركة حماس إلى كافة الأنظمة والقوانين العامة التي يخضع لها جميع أفراد الشعب الفلسطيني وأن لا يتميزوا عن غيرهم كما تفعل الأنظمة العربية الحزبية.
2- على الإخوة في الجهاد الإسلامي الفلسطيني أن يسعوا لإنجاح تجربة حماس لصالح الشعب الفلسطيني ولا يحملهم اختلاف الانتماء الحزبي إلى الركون للسلبية وترك حماس وحدها في مواجهة التحديات فضلا عن المشاركة في إفشالها، مما يضر بمصلحة الشعب الفلسطيني ويتسبب في دعم القوى العلمانية ومن ورائهم اليهود.
3- على قيادات الشعب الفلسطيني أن يقوموا بدراسة جادة للخطوة الجريئة التي تمت لكسر الحصار وذلك لدراسة كيفية المحافظة على تلك المكتسبات التي حصلت من غير أن ينتج عنها آثار سلبية أو أن تكون استدراجاً من العدو.
4- كشفت أحداث غزة الأخيرة عن موقف السلطة المخزي تجاه ما يحدث للمحاصرين في قطاع غزة، وتعرت السلطة الفلسطينية عن كل ما تستر به خيانتها وعمالتها لليهود، وآن للشعب الفلسطيني والمخلصين من منظمة التحرير أن ينفضوا أيديهم منها ويتبرؤوا من خياناتها فهذا هو الواجب الشرعي والوطني في آن واحد.
5- على الإخوة في (القاعدة) إن أرادوا العمل في فلسطين أن ينضموا إلى أحد الفصائل الفلسطينية ولا يبادروا إلى إنشاء عمل مستقل بهم، وذلك حتى لا تزداد الفرقة والتشرذم، وبخاصة مع الدعوات المتكررة التي أطلقها قادة القاعدة والتي تدعو فيها إلى الوحدة واجتماع الصف.

الرسالة الثالثة: للعلماء والدعاة:
إن عليكم أن تقوموا بدوركم في نصرة إخوانكم والوقوف معهم بكل ما تستطيعون من ألوان الدعم المالي والنفسي، وعليكم دعوة الأمة جمعاء للوقوف مع إخوانهم، وفضح حال الأعداء وتآمرهم على الأمة، ولتعيدوا لنا تاريخ علماء الأمة العظام الذين سجلوا مواقف مشرفة حفظها لهم التاريخ وارتفع قدرهم بها.
ومن البرامج العملية في هذا المجال مايلي:
1 - أن يقوم العلماء بتشكيل اللجان الشعبية لجمع التبرعات لصالح إخوانهم في فلسطين( مثل ماقام به الشيخ سفر الحوالي).
2 – أن يتواصل العلماء مع إخوانهم من العلماء والسياسيين في فلسطين ويثبتوهم ويناصحونهم، وأن يشاركوا في الدعم المعنوي للشعب الفلسطيني من خلال وسائل إعلامه المرئية والمسموعة بحيث يكون لهم حضور إعلامي مشجع.
3 – أن يتدخل العلماء لجمع كلمة الصداقين من أبناء الشعب لفلسطيني على اختلاف انتمائهم الحزبية بحيث يكون لهم رؤية وموقف موحد مما يجري على الأرض.
4 – أن يتداعى العلماء في العالم الإسلامية لدراسة الحالة الفلسطينية بكل أزماتها ومحاورها دراسة واقعية شرعية سياسية ويخلصوا إلى التوصيات التي تحقق مصلحة الأمة، ومن تلك المسائل المهمة : الموقف من السلطة بتصرفاتها الخيانية، الموقف من الاستمرار في المقاومة وصورها ومدى تحقيق ذلك للمصلحة الشرعية وانسجامه مع مقاصد الشريعة، مدى إمكانية تجييش عموم المسلمين للقتال في فلسطين.

الرسالة الرابعة: للإعلاميين والكتاب والخطباء:
إن عليكم أن تقوموا بمسؤولية الكلمة والبيان وأداء الأمانة في المنابر التي اعتليتموها، والمناصب الإعلامية التي تسنمتموها، وذلك بنقل معاناة إخوانكم للعالم كله، والدفاع عن حقوقهم، وكشف تجاوزات الأعداء وبيان عداواتهم وكذب شعاراتهم الزائفة التي يتنادون بها.

الرسالة الخامسة: إلى عموم المسلمين:
أيتها الشعوب الإسلامية: لقد استطاع إخوانكم في غزة كسر الحصار المضروب عليهم من قبل اليهود والمتواطئين معهم، فهل يمكنكم كسر الحصار عن أنفسكم؟، ذلك الحصار الذي يمنعكم من دعم إخوانكم والوقوف معهم، والاستجابة لنداءات العلماء بالدعم المالي لإخوانكم في فلطين، حتى وإن سخطت يهود والصليبية ومن ورائهم من أذنابهم في المنطقة.
إن كسر ذلك الحصار الواقع على الشعوب يحتاج إلى رأي شعبي عارم، وانطلاقة نحو التنفيذ، مثل ذلكم التواطؤ الذي حصل في كسر حصار غزة، ولن تكون تضحياتكم في هذه الخطوة بأكثر من تضحيات إخوانكم في فلسطين.
وعليكم الوقوف بشكل جاد وواضح وعملي مع إخوانكم هناك، فقد وقف عباد الصليب وحملة رايتهم مع إخوانهم اليهود في خندق واحد، ودعموهم عسكريا وماديا وسياسيا فهل تعجزون عن الوقوف مع إخوانكم بعيدا عن سلطات الأنظمة التي لها حساباتها الخاصة المختلفة عن حساباتكم ؟
إن الدعم المادي والدعاء الخالص (ومنه قنوت النوازل في الصلوات) والدعم الإعلامي بالمشاركة في البرامج الحوارية المباشرة، ورسائل الجوال، والرسائل عبر الفضائيات.. ذلك بعض ما تملكونه لدعم إخوانكم فهلا قمتم بذلك.
أعتقد أن الشعوب لم تقترب من الخطوط الحمراء التي وضعتها الأنظمة للتحرك في دعم القضية الفلسطينية بل إنه وفي بعض المواقف كانت بعض الأنظمة أكثر جراءة من الشعوب في الإعلان عن مواقفها تجاه الإخوة في فلسطين.
فاتقوا الله وقوموا بما تستطيعون في نصرة إخوانكم في فلسطين، واسعوا بكل إمكاناتكم لفك الحصار عنهم ودعمهم، وإعانتهم على قتال عدوهم، ونصرتهم بالكلمة الصادقة، والدعاء الخالص لهم.

وصلى الله على نبينا محمد
تم تحريره في الخامس من شهر صفر لعام 1429هـ

وقفات وملاحظات على كلمة الشيخ أسامة التي بعنوان (السبيل لإحباط المؤامرات حول العراق ودولة العراق الإسلامية)

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)

كنت قد كتبت في مقال سابق تحليلاً لكلمة الشيخ أسامة ابن لادن (إلى أهلنا بالعراق) والتي جاءت هادئة – خلافاً لكلماته السابقة- وذكرت في ذلك المقال أن هذا الهدوء الذي اتسمت به الكلمة نابع عن بعد الشيخ عن المؤثرات المحيطة به مما جعله يعود إلى طبيعته الهادئة ولسانه العفيف .

وقد جاءت هذه الكلمة الأخيرة صاخبة صارخة لتؤكد هذا التحليل، فقد رجع الشيخ إلى المؤثرات بشكل أكبر، وبتركيز أكثر، فجاءت كلمته حبلى بما كان يردده دوماً د.أيمن الظواهري (حماس والإخوان، الإخوان وحماس..) وحفلت الكلمة بعدد من المسائل التي يظهر فيها التأثير الواضح للفكر الجهادي المصري مثل (الغلو في التكفير، الحكم على المخالفين وتضليلهم، استهداف بلاد الحرمين بكل مافيها من علماء ودعاة رسميين وغير رسميين).

* ملاحظات عامة على الخطاب:
1 - توقيت الخطاب: هذا الخطاب هو السادس خلال أربعة أشهر بعد غياب طويل، مما يعني أن الشيخ – بحمد الله- قد أصبح في منطقة آمنة بحيث يمكنه التواصل وإصدار البيانات المتكررة، راجياً أن لا تكون هذه المنطقة (إيران) حتى لا يفجعنا بنفسه ولا يشمت بنا الأعداء.

2 - سبب الخطاب:
جاء هذا الخطاب ردة فعل للخطاب السابق (إلى أهلنا في العراق) الذي أغفل الشيخ فيه ذكر دولة العراق الإسلامية، مع كونه خطابا موجها لأهل العراق ! كما اعترف في ذلك الخطاب السابق بالأخطاء التي وقعت والاختراق الحاصل في صفوف القاعدة إلى غير ذلك من الحقائق التي أغضبت القاعدة في العراق وبخاصة بعد أن ظهرت ردود الفعل على شبكة الإنترنت التي استغلت خطاب الشيخ في التأكيد على الأطروحات السابقة المتكررة التي تنكر على القاعدة أعمالها وتجاوزاتها في العراق، ومن بينها إعلان الدولة.

ولهذا يبدو - من النظر في موضوع الخطاب وتوقيته - أن هناك من طلب من الشيخ أن يصلح ما أفسده عليهم بخطابه السابق، وما أثاره من شكوك بشأن رضاه عن دولة العراق الإسلامية وتزكية القائمين عليها، فجاء هذا الخطاب مخالفاً لما ذكره في خطابه السابق مع أنه ليس بين الخطابين إلا فترة يسيرة لا يمكن أن يكون قد حدث فيها تغيير كبير على أرض الواقع، بحيث يبني الشيخ عليه تغييراً في الأحكام والمواقف.

3 - مصادر المعلومات:
يتضح من سياق الخطاب أن الشيخ التقى بأشخاص نقلوا له رؤية القاعدة لما يجري في العراق، وهذا هو سر التفصيلات التي طرحها الشيخ في الشأن العراقي ومحاولة الرد على الشبهات التي أثيرت حول إعلان الدولة .. مما هو تكرار لما تقوله دولة العراق الإسلامية وتبرر به موقفها.وقد يكون التقى ببعض أبناء بلاد الحرمين بحيث نقلوا له تصورهم عن موقف العلماء والدعاة من دولة العراق الإسلامية، وتأثير ذلك الموقف على القبول الشعبي بتلك الدولة.

4 - فكرة الخطاب وصياغته:
في حال اقتطاع مايتعلق بالتجربة الأفغانية السابقة من الخطاب فإنه يصبح ذا فكرة يسيرة مفادها (دعم وتأييد دولة العراق الإسلامية والهجوم على مناوئيها) فحسب، وفي الخطاب تكرار لهذا الأمر بأكثر من هيئة. كما تتسم صياغة الخطاب -بعامة- بنوع من الضعف وحصول التكرار في الأفكار والألفاظ والاستطرادات في مواضع مع الإيجاز والغموض في مواضع أخرى خلافاً لعدد من خطاباته المتقنة السبك.

* جوانب إيجابية في الخطاب:
1 - التحذير من المؤامرات التي تهدف لسرقة ثمرة الجهاد :
يقول الشيخ :(حديثي هذا إليكم عن المؤامرات التي يحيكُها التحالف الصهيوني الصليبي بقيادة أمريكا بالتعاون مع وكلائها في المنطقة لسرقة ثمرة الجهاد المبارك في أرض الرافدين ، و ما الواجب علينا لإفساد هذه المؤامرات).

2 - الدعوة للوحدة بين المجاهدين:
إذ يقول الشيخ:(أؤكد أن من أعظم الواجبات هو أن تتحد جهود جميع المجاهدين الصادقين مع بعضهم البعض ، لتقف صفاً واحداً تقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وتعمل جاهدةً لإفشال جميع مؤامراتهم).

3 - التحذير من التوسع في قتل الأبرياء الذين يكونون قريبين من العدو:
حيث يقول:(أؤكد على إخواني المجاهدين بأن يحذروا من التوسع في مسألة التترس ويحرصوا أن تكون عملياتهم لاستهداف العدو منضبطة بالضوابط الشرعية بعيداً عن المسلمين ما أمكنهم ذلك دون أن يُعطَّل الجهاد في سبيل الله).

4 - النقد الصريح لحزب الله:
فهاهو الشيخ يقول عن أمين الحزب:(لكن الأمين العام حسن نصر الله يستغفل الناس وقام ورحب بها – أي بالقوات الدولية في لبنان - على الملأ ووعد بتسهيل مهمتها رغم علمه أنها قادمة لحماية اليهود وإغلاق الحدود أمام المجاهدين الصادقين , فقد فعل هذه الطوام نزولاً عند رغبة الدول الداعمة صاحبة الأموال النزيهة الشريفة التي تَحَدَّثَ عنها من قبل).

5 - بيان أهمية الخلافة ومسيس الحاجة إليها:
إذ يقول الشيخ: (فكما أن من الواجبات العظام السعي لتوحيد الكلمة تحت كلمة التوحيد فإن القعود عن ذلك كبيرة من الكبائر العظام أيضاً فإن الدين لا يكون كله لله , ولا تأمن السبل ولا تُقمع الفتن ولا يُستتب الأمن ولا تُحبط المؤامرات ولا ينضبط كثيرٌ ممن انضموا إلى الجماعات المجاهدة من عامة أبناء الأمة و إلى ما هنالك من أمور عظام إلا إذا كان للمسلمين جماعة وإمام).

* وقفات مهمة حول بعض النقاط الرئيسية في الخطاب :

1- حمل الشيخ في خطابه بشدة على كثير من الفصائل الجهادية خلافاً لخطابه السابق، ففي الخطاب يقول : (يسعون لإغواء الجماعات المجاهدة في العراق ، فيغضوا طرفهم عن أعضاء بعض الجماعات لتتحرك في دول الخليج باطمئنان لتأخذ الدعم .. وإن المرء ليعجب أشد العجب كيف ضيعت هذه الزعامات الأمانة التي في أعناقها وذهبت تضع يدها في يد أحد أَلَدِّ أعدائها) ويقول : (فكيف وأنتم ترون أحزاب أو فصائل و هيئات فيها شيوخ كبار تنتمي إلى أمتنا تفتن وتتساقط عند أبواب سلاطين نجد) ويقول : (ولو أن قادة دولة العراق الإسلامية وضعوا أيديهم في يد أي دولة من دول الجوار لتكون لهم ظهراً وسنداً كما فعلت بعض الجماعات والأحزاب لكان الحال غير الحال).

2 - نادى الشيخ القواعد والأفراد والقيادات الفرعية من أجل شق عصا الطاعة على قادتهم!، والانضمام للقاعدة، إذ يقول : (فيجب على أعضاء الحزب الإسلامي وتلك الفصائل المقاتلة, أن يتبرؤوا من قادتهم ويصححوا مسار أحزابهم وجماعاتهم , فإن تعذر ذلك فليعتزلوا هذه القيادات المنافقة ، وليلتحقوا بالمجاهدين الصادقين بأرض الرافدين) ويقول : (إن السعي لإقامة جماعة المسلمين الكبرى يتعين على آحاد المسلمين والمجاهدين وذلك بأن يبايعوا أكثر الطوائف التزاماً بالحق و اتصافاً بالصدق ...وإن من يراقب حملات الكفر العالمي و المحلي يرى أنها تستهدف بالدرجة الأولى دولة العراق الإسلامية ... وما أحسب كل هذه الحملات الشرسة على المجاهدين في دولة العراق الإسلامية إلا لأنهم من أكثر الناس تمسكاً بالحق و التزاماً بمنهج رسول الله صلى عليه وسلم)، ويقول: (خلاصة القول في هذا الأمر يجب على الأخوة المجاهدين ولاسيما في مجالس الشورى ألا يستسلموا لأعذار أمراء الجماعات لتعطيل الوحدة والاجتماع).كما نادى المنتمين لحركة حماس لتغيير مسارها إذ يقول : (وللعقلاء أن يعتبروا بما آلت إليه قيادة حماس ، حيث أضاعت دينها ولم تَسْلَم لها دنياها) ثم يناديهم قائلاً : (فهلا قام الصادقون في حماس ليصححوا مسارها ؟!)، والسؤال هنا : هل يقبل الشيخ توجيه النداءات إلى أفراد القاعدة ودولة العراق الإسلامية لترك قياداتهم والتمرد عليهم واللحاق بصفوف الفصائل الجهادية الأخرى تحت مسمى "تصحيح المسار"؟

3- يلاحظ أن الشيخ قد استخدم تصنيفاً جديداً للمجاهدين، حيث أكثر من جملة (المجاهدين الصادقين) وهو يعني بطبيعة الحال أنه هناك فئة من المجاهدين غير الصادقين، مع أنه في الخطاب ذاته انتقد تقسيم المقاومة إلى مقاومة شريفة وأخرى غير شريفة، كما أن السامع لخطاب الشيخ والقارئ له سيفهم من الخطاب أن مجاهدي القاعدة هم المجاهدون الصادقون، وأن البقية خلاف ذلك.

4 - انتقد الشيخ (الدعايات المغرضة على دول العراق الإسلامية) ولم يذكر الشيخ في خطابه نماذج لتلك الدعايات المغرضة عن الدولة الإسلامية برغم أنه أكثر من التنفير من تلك الدعايات، وبطبيعة الحال فالشيخ لا يعني بتلك الدعايات ما سبق للشيخ نفسه الإشارة إليه في خطابه السابق من ألوان الخلل الواقع في صفوفها.

5- في ثنايا كلام الشيخ تحدث عن (الجماعات المقاتلة التي تناصر أمريكا) وهاهنا يتبادر سؤال تلقائي: إذا كانت تلك الجماعات المقاتلة لا تقاتل أمريكا بل تناصرها، ولا تقاتل الرافضة، ولا الجيش ولا الشرطة – وفقاُ لخطاب الشيخ - فأي قتال تخوضه تلك الجماعات إذاً ؟

6- تكرر في خطاب الشيخ وفي مواضع متعددة إطلاق لفظ الكفر والردة، فهاهو يقول: (فليعتزلوا هذه القيادات المنافقة)، ويقول: (وبعض الجماعات المقاتلة تناصر أمريكا على المسلمين ، وذلك كفرٌ بواح وردة صراح) ويقول: (فالذين بقوا مع القادة كسياف ورباني في كابل يناصرونهم ضد المسلمين بعد كل الذي حصل هؤلاء قد ظاهروا الكفار على المسلمين وذلك ناقضٌ من نواقض الدين وليس بعذر لهم حسن ظنهم بالقادة فيجب عليهم أن يفتشوا قلوبهم ويتبرؤوا من الشرك وأهله ويدخلوا في الإسلام من جديد) ويقول: ( فهذا سياف كان أبرز قادة المجاهدين وكان مِلء السمع والبصر واسم حزبه الاتحاد الإسلامي ثم أعان أمريكا على المسلمين وذلك كفرُ بواح) ولست هنا في معرض الدفاع عن سياف أو غيره لكنني هنا أتوقف مع كثرة عبارات "الكفر" و"الردة" فحسب، كما أن الخطاب احتوى على عبارات أخرى كعلماء السوء ورجال الطاغوت، فهو يقول في خطابه (واستعانت الرياض ببعض رجالها من العلماء غير الرسميين ، حتى يتيسر لهم اختراق صفوف المجاهدين , وهؤلاء كانوا من الخطباء المؤثرين المحرضين للناس على الجهاد ، ويحضرون الأموال الطائلة لقادة المجاهدين... وعندها ظهروا على حقيقتهم بأنهم علماء سوء ورجال الطاغوت) ويقول: (يتم تمرير الدعم باسم جمع التبرعات من بعض العلماء و الدعاة غير الرسميين , وكثير منهم في حقيقتهم رجال موالون للدولة يسعون في تحقيق سياستها في العراق ، بسحب البساط من تحت أقدام المجاهدين الصادقين)، ونحو تلك العبارات الخطيرة، والتي قد يبني عليها بعض الأتباع نتائجاً بالحكم على أشخاص محددين بالردة والكفر، ومن ثم يرون استحقاقهم للقتل، فمثل هذه الإطلاقات العامة قد تورد أمثال تلك الموارد .

7 - اتسمت صياغة الخطاب بالتجريح والاتهام والتلويح بصفات عمومية يمكن أن يطبقها الأتباع على عدد كثير من الأشخاص ممن ليسوا مقصودين من خطاب الشيخ، وبخاصة أن عامة الأتباع المتحمسين لم يشهدوا مرحلة الجهاد الأفغاني الأولى مما يجعلهم يصنفون المشايخ ويحكمون عليهم بأحكام جائرة وقد يسعون إلى تصفيتهم، وهذا الأسلوب بالإضافة إلى نتيجته المذكورة آنفاً فإنه يؤدي إلى اتساع دائرة الشكوك والظنون بالدعاة وأهل العلم والداعمين والمناصرين للجهاد والمجاهدين، فهاهو النقد والاتهام يطال العلماء الرسميين والعلماء غير الرسميين والخطباء المؤثرين المحرضين على الجهاد الداعمين للجهاد بالأموال الطائلة والذين ذكر الشيخ أنهم ظهروا على حقيقتهم: علماء سوء ورجال طاغوت..، وإذا كان أولئك الذين ظهر منهم نصرة الجهاد وأهله قد باتوا علماء سوء، فمن بقي من الناس يصلح أن يكون قدوة وإماما، وإن مما يخشاه الناصح أن يفقد الشباب -بمثل هذه التعميمات- الثقة في كل من حوله من العلماء والدعاة، ويزداد جرأة في الحكم عليهم ، ولعل الشيخ – حفظه الله – أراد التورع عن تسمية أشخاص محددين بأعيانهم، فلجاً إلى التعميمات التي أورثت التشكيك في السواد الأعظم، ودفعت إلي كيل الاتهامات إلى الكثيرين، مايجعل التصريح أهون هاهنا من التلميح.

8 - الموقف من الرافضة:
يلاحظ أن موقف القاعدة من استهداف الرافضة غير محدد، فقد كان الزرقاوي يتبنى العمليات ضد الرافضة ويتحمس لها أشد الحماس، في الوقت الذي كان الدكتور أيمن الظواهري يتبنى الرأي الأخر معارضا لها مبينا سلبياتها، ومناصحاً لأبي مصعب بترك استهداف الرافضة، ثم نجد الشيخ أسامة هاهنا يقف موقف المؤيد لما كان يراه أبا مصعب الزرقاوي، مع أن المعروف عن الشيخ خلافه، فعلى أي شيء يدل هذا الموقف الأخير، هل يدل على تغير قناعة الشيخ تجاه استهداف الرافضة، أم تعرضه للضغوط لإظهار موافقة الدولة في تعاملها مع الرافضة؟

9 - دولة العراق الإسلامية:
يلاحظ أن الشيخ في الكثير من خطاباته، وفي هذا الخطاب على وجه الخصوص يكيل المدائح لقادة القاعدة في أكثر من مكان، حتى بات يزكي أشخاصاً لايعرفهم، فينقل تزكيتهم عن غيره – كما في البغدادي مثلا -، وفي الوقت ذاته لا يحظى بقية قادة المجاهدين ممن لا ينتمون للقاعدة بشيء من ذلك الثناء، بل على العكس، قد ينالهم شيء من الهجوم الصريح أو المبطن.

وقد بالغ الشيخ في ذكر حسنات دولة العراق الإسلامية وأفرط في تفاؤله كثيرا حين ربط مصير (مئات الملايين) من المسلمين بقيامها، ومنحها الشيخ – برغم أنه لا وجود لها في الواقع الحقيقي بوصفها دولة – من الحقوق والمزايا وذكر لها من الأثر ما لم يكن الشيخ يذكره لأمارة طالبان الإسلامية مع أن طالبان كانت دولة قائمة فعلاً وممكن لها، وهي ذات كيان حقيقي وأرض تقيم عليها وجيش وشرطة ووزراء ومقار للحكم ومحاكم شرعية.
وهاهنا تجدر الإشارة إلى أن المخالفين لدولة العراق الإسلامية لاينازعون في أهمية قيام دولة الإسلام، ولا في أهمية الاجتماع والوحدة، ولافي تفاصيل البيعة التي تمت لدولة العراق الإسلامية، وإنما التنازع في وجود تلك الدولة في الواقع من عدمه، ويقول قائلهم: كيف أبايع دولة لاوجود لها إلا في أذهان أصحابها، وعلى الإصدارات المرئية لهم؟وبناء عليه فإن كلام الشيخ في إجاباته عن الشبهات المثارة ودفاعه عن الدولة هو في غير محل النزاع بين الدولة ومخالفيها.
ومن الوقفات هنا أن الشيخ ذكر في خطابه بأن مصادر الدعم المادي لدولة العراق الإسلامية إنما هي (تحت ظلال الرماح) وذلك خلافاً للأحزاب والجماعات الأخرى التي تتلقى الدعم من دول الجوار. وفي هذا اتهام مطلق لعموم الفصائل الجهادية بالعمالة للخارج، وهذا الاتهام لايشجع – بطبيعة الحال – على الوحدة ولا يساهم فيها، فالشيخ يقول ( ولو أن قادة دولة العراق الإسلامية وضعوا أيديهم في يد أي دولة من دول الجوار لتكون لهم ظهراً وسنداً كما فعلت بعض الجماعات والأحزاب لكان الحال غير الحال , فأولئك ميزانياتهم بعشرات بل مئات الملايين , وهؤلاء رزقهم تحت ظلال رماحهم وهذا خير الرزق لو كانوا يعلمون) ومن غير الواضح كيف يتم تمويل القاعدة لنفسها من خلال ضلال الرماح، فليس هناك موارد كثيرة – داخل العراق - يمكن الحصول عليها لتمويل الأعمال التي تقوم بها القاعدة هناك.

10 - طريق الوحدة:
طالب الشيخ في هذا الخطاب وفيما قبله بالوحدة والاجتماع بين المجاهدين في أرض العراق، وهو مطلب جدير بالعناية والاهتمام فعلاً، لكن الحديث المهم هنا ليس عن أهمية التوحد والاجتماع والاعتصام بأمر الله فذلك يبدو محل اتفاق، وإنما السؤال هنا: هل سبيل الوحدة بين المجاهدين يكمن في متابعة دولة العراق الإسلامية فحسب؟ إذ أن الشيخ لم يطرح خياراً آخر للوحدة سواه. وهل يقبل تنظيم القاعدة أو دولة العراق الإسلامية الانضواء تحت قيادة كبرى يتولاها سواهم؟
وبما أن الشيخ قد راجع في خطابه التجربة الأفغانية فإن المتابع يعلم أن الشيخ قد رفض القبول بتسمية الشيخ (جميل الرحمن) للمنطقة التي يحكمها في (كونر) بـ"إمارة كونر الإسلامية" مع أن مقومات إطلاق (الدولة) على منطقته آنذاك تفوق المقومات الموجودة لدى دولة العراق الإسلامية.
بل إذا كان الحديث عن العراق تحديدا فإن (الإمارة) التي أعلنت عنها جماعة أنصار الإسلام أولى بالبيعة من دولة العراق الإسلامية لكونها أسبق للإعلان، كما سبق لهم فرض سيطرتهم على مناطق جغرافية تم تحكيم الشريعة فيها.
وفي هذا السياق يتبادر سؤال مهم:
هل يحق لأحد الفصائل المقاتلة في أي ثغر من ثغور الإسلام الإعلان عن نفسها باسم الإمارة أو الدولة أو الخلافة الإسلامية ؟ وهل يجب على جميع المجاهدين – آنذاك – أفراداُ وجماعات في ذلك المكان أن يبايعوه؟ وماذا لو أن أحد الفصائل أو الأحزاب الجهادية حول اسمه إلى (الخلافة الراشدة) أو (إمارة العراق) فهل يعني هذا التغيير في المسمى تغييرا في الأحكام المترتبة عليه ؟ وهل هناك دولة حقيقية على أرض الواقع أم أن الأمر لا يعدو كونه فصيلاً مجاهد ليس غير؟ وما الفرق في الواقع بين (جماعة التوحيد والجهاد) و (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) و(مجلس شورى المجاهدين) و(دولة العراق الإسلامية) .
كانت تلك جملة من الوقفات مع رسالة الشيخ الساخنة، قصدت منها التنويه إلى جملة من الملاحظات التي يحسن الوقوف عندها، وعدم الانسياق ورائها، فالشيخ حبيبنا والحق أحب إلينا، وهو ضالتنا أنّا وجدناها فنحن أولى بها، وإنني هنا أذكر بجزء من كلام الشيخ في خطابه هذا حين يقول: (فالحق أحق أن يُتبع ومن كان مقتدياً فليقتدي بمن مات من القدوات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، واعرف الحق تعرف أهله فالحق لايعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق) .
نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد
تم تحريره في الأول من شهر الله المحرم 1429 هـ

وقفات حول مصطلح السلفية الجهادية..

بسم الله الرحمن الرحيم

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)


ظهر في الآونة الأخيرة مصطلح (السلفية الجهادية) وتلقفه بعض أبناء التيار الجهادي وفرحوا به، وأحبوا أن ينسبوا إليه، بل اعتمده عدد من الكتاب والمتحدثين باسم التيار الجهادي، فضلا عن المتحدثين عنه.
ولي على هذا المصطلح بعض الملاحظات التي أحب أن أشير إليها من خلال الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: صنيعة الأعداء:
عند تتبع هذا المصطلح ونشأته يتضح للمتابع أن أول من أطلقه هم الأعداء! وأنه ليس من ابتكار أو إنتاج أبناء التيار الجهادي، ولا القريبين منهم.
وباعتقادي أن العدو حين طرح هذا المصطلح كان يهدف إلى تحقيق عدد من الأهداف، ومنها:
1 – عزل التيار الجهادي عن عموم المسلمين:
فلئن كان مصطلح (السلفية) ذا قبول جيد لدى طائفة من المسلمين، فإن عامة المسلمين لازالوا يتوجسون منه خيفة، حيث تسببت الكثير من الأمور في تشويهه واعتباره انحرافاً وزيغاً..ولا شك أن مصطلح (المجاهدين) أكثر قبولاً لدى عموم المسلمين من مصطلح (السلفية الجهادية) وأدعى للاجتماع.
2- تمزيق التيار الجهادي وانقسامه على نفسه:
فينقسم التيار الجهادي إلى سلفية جهادية وأخرى إخوانية وثالثة صوفية.. وتتكاثر المسميات والمصطلحات لفريق واحد من المجاهدين الذين يقفون في ثغر واحد وفي مواجهة عدو مشترك.
3 – دفع المنتمين لهذا المصطلح إلى الغرور:
إذ يصيب المنتمين إليه اغترار بالاسم، وادعاء بأنهم مستأثرون بالحق وحدهم دون سواهم من بقية المجاهدين، فضلا عن بقية المسلمين.
حيث يرى الواحد منهم أنه بات يحتل أعلى المستويات حيث الجمع بين (السلف) و (الجهاد) مما يدفعه للنظر إلى غيره نظرة استعلاء واحتقار، مهما كانت منجزاتهم، وهذا ظاهرفي بعض من ينتمي إلى السلفية الجهادية اليوم.

الوقفة الثانية: تحديد المقصود بهذا الاصطلاح:
ليس هناك تحرير دقيق لهذا المصطلح وما الذي يقصد به، بحيث يتميز المنتسبون إليه عن غيرهم بشكل واضح..
فماذا تعني السلفية الجهادية؟
هل هي سلفية الاعتقاد؟ أم سلفية السلوك؟ أم سلفية القتال؟ أم سلفية المواقف والولاءات؟ أم ذلك كله؟
وإذا أردنا تحديد هذا المصطلح والنظر في حقيقة معناه فلننزل إلى الميدان الفعلي وننظر في كيفية تطبيقه.. حينها سنجد أن هذا المصطلح يضيق عن استيعاب العديد من الفئات الذين يصعب إخراجهم منه.
وهاك أمثلة على ذلك:
- هل يدخل في السلفية الجهادية : الجهاد الأفغاني الأوّل بقياداته المختلفة وأنصاره القادمين من أنحاء العالم، وهل يمكن تمييز بعض الفصائل أو بعض المجاهدين دون بعض في تحقيق انتسابهم لذلك المصطلح؟

- حركة الطالبان وهي حركة ديوبندية (أي حنفية في الفقه ماتوريدية في الاعتقاد وعندهم نوع من التصوف في السلوك)، فهل تعتبر الطالبان التي أقامت الإمارة الإسلامية في أفغانستان من السلفية الجهادية أم ماذا؟

- الشيخ أسامة بن لادن حين نزل بثقله لدعم حكومة الإنقاذ في السودان التي يديرها البشير والترابي آنذاك هل كان ذلك دعماً للسلفية الجهادية ؟ وهيئة النصيحة والإصلاح التي أسسها الشيخ أسامة في لندن، هل تعتبر من أنشطة السلفية الجهادية – مع العلم أنه كان نشاطاً سياسياً صرفاً -؟

- القائد جوهر دوداييف الذي بدأ القتال في الشيشان ضد الروس وكان قائداً سابقاً لسرب الطيران في الجيش الروسي.. هل كان يمثل السلفية الجهادية أم لا؟

- هل يدخل في السلفية الجهادية تيار الغلو (الغلاة) الذين يكفرون رموز وعلماء الدعوة السلفية كابن باز وابن عثيمين والألباني ويستبيحون دماء إخوانهم المسلمين والمجاهدين لمجرد المخالفة في الاجتهاد؟

- هل يدخل في السلفية الجهادية من يدعو إلى حلف مع الحزب الرافضي اللبناني المسمى (حزب الله) تحت مسمى حلف المستضعفين ؟ أو من يدخل تحت حماية إيران لتقاطع المصالح مع الرافضة ضد الأمريكان؟

- هل يقتصر المصطلح على (المقاتلين) فحسب ويخرج منه كل من لم يخض المعارك؟ أم أنه يدخل فيها كل من شارك في نصرة الجهاد ومواجهة العدو بأي وسيلة من الوسائل العسكرية أوالإعلامية أو الإغاثية أوغيرها..

- من يرى التغيير عن طريق الانخراط في الانتخابات وخوض العملية السياسية، هل يمكن نسبته إلى السلفية الجهادية؟

- المجاهد الذي يتعاطى السياسة الشرعية وفق الضوابط.. هل يخرجه ذلك من مصطلح (السلفية الجهادية) وهل يمكن الاستغناء عن السياسة الشرعية في ميدان الجهاد؟

- هل ثمة ضوابط محددة يمكن بها معرفة من يصح نسبته إلى هذا المصطلح أو نفيه عنه، وهل يوجد منهج مكتوب يمكن الرجوع إليه عند الاختلاف؟

- ماعلاقة هذا المصطلح بالمصطلحات الأخرى، وأين موقعه منها، مثل : الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها يمكن أن تحدد مفهوم ذلك المصطلح وتوضح المراد منه قبل اعتماده والحديث باسمه..

الوقفة الثالثة: منجزات السلفية الجهادية
إلى الذين يفرحون بهذا المصطلح وينتسبون إليه بكل غبطة وسرور.. أوجه إليهم سؤالاً محدداً:
ماهي منجزات أصحاب هذا المصطلح قديماً وحديثاً؟
وهل يعتبر فتح عمورية و معركة حطين وتحرير بيت المقدس و عين جالوت و الزلاقة و بلاط الشهداء من منجزات السلفية الجهادية أم من منجزات سواها؟

وهل يعتبر محمد الفاتح (فاتح القسطنطينية) وعمر المختار والأمير عبدالقادر الجزائري وغيرهم من الرموز الجهادية الشهيرة داخلين في مصطلح (السلفية الجهادية)؟

وهل يمكن نسبة حركات مقاومة الاستعمار في البلاد الإسلامية عموماً إلى السلفية الجهادية؟

وهل تعتبر منجزات الحركات الجهادية المعاصرة في كشمير والفلبين وإرتيريا وفلسطين والشيشان وغيرها، محسوبة على (السلفية الجهادية) أم لا؟

وماهي المنجزات التي يمكن لأصحاب هذا المصطلح أن يعتبروها من أعمالهم التي قاموا بها بشكل حصري ومستقل؟

الوقفة الرابعة: مصطلح السلفية الجهادية في مرحلة الاستضعاف وقتال الدفع:
باعتقادي أن قتال الدفع في مواجهة المعتدين على الأمة مما يجب أن تحشد له كل طاقاتها ويدخل في ذلك برها وفاجرها، متبعها ومبتدعها، سلفيها وصوفيها.. ماداموا جميعا من أهل الإسلام وضمن دائرته، وممن يشجيهم ماينال الأمة من عدوها، وماداموا يرغبون في الذود عن حياض الأمة ونصرتها بالمال والنفس والولد.
وعامة الجهاد بعد الخلافة الراشدة هو من هذا القبيل.
وما زال العلماء الربانيون يقاتلون تحت راية أهل البدع ويفتون بالاجتماع معهم في مواجهة الكفار المحتلين لبلاد المسلمين..
فهل من المناسب في هذا الظرف العصيب أن يتم تكريس هذا المصطلح التفريقي؟
أنني هنا لا أطالب السلفي في معتقده وسلوكه بالتخلي عن سلفيته، بل أقول: عض عليها بالنواجذ، واستمسك بها، لكن إياك أن تعتبرها ميداناً للمفاصلة في ظل الاستضعاف الذي تعيشه الأمة، لأنك بهذا تعزل نفسك عن السواد الأعظم، وتعطي العدو الفرصة السانحة لسحقك، وتعطي لإخوانك الذريعة للتخلي عنك، وميدان الجهاد يستوجب الاجتماع وعدم التفرق، إذ التفرق سبب رئيس للفشل.

كانت تلك وقفات أربع آمل أن أكون قد أوضحت من خلالها خطورة التعاطي مع هذا المصطلح والانسياق وراء من أطلقه، أو الانخداع به، وأن نعلم ضرورة الاجتماع في مواجهة الأعداء الذين يجتمعون برغم اختلافاتهم على قتالنا واحتلال بلادنا.

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.

وصلى الله على نبينا محمد
تم تحريره في الخامس من ذي الحجة 1428 هـ

أيها المجاهدون .. إياكم وقتال الفتنة

بسم الله الرحمن الرحيم

( أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه )

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ما يقع بين المجاهدين في العراق من الاقتتال الداخلي الذي يكاد يعصف بالأمل الذي تعلقت به قلوب المسلمين في تحقيق النصر على الأعداء المحتلين.
ونظراً لما لهذا الموضوع من خطورة على مستقبل الجهاد في العراق فإني أساهم في استنقاذ الجهاد والمحافظة على ثماره بتوجيه هذا النداء لأصحاب الشأن، ومن يعنيهم الأمر من خلال النقاط التالية:

* أيها الإخوة المجاهدون الأفاضل:
إنه مهما كانت المبررات، ومهما كان حجم الاختلاف فيما بينكم، فإن الاقتتال الداخلي يزيد من حجم المشكلة ولا يحلها، ولا يستفيد من هذا الاقتتال سوى عدوكم ، فلا تعطوه الفرصة للخروج من المأزق الذي وقع فيه، فإن التنازع فيما بينكم بات بمثابة طوق النجاة له، وها أنتم ترون أن انشغال بعضكم ببعض قلل من العلميات ضد عدوكم، وأضعف نكايتكم فيه، وجعله يتنفس الصعداء ويرفع من معنويات جنوده بما حصل من الانحسار في أدائكم.
وإنكم باقتتالكم تزهقون أرواحاً وتسفكون دماءً لم يستطع عليها العدو، فإذا هي تراق بأي الإخوة بعضهم البعض .
* أيها المجاهدون:
اتقوا الله تعالى في الدماء الزكية الطاهرة التي أريقت في هذا الجهاد المبارك فلا تجعلوا ثمرتها سدى، واتقوا الله في أمتكم التي علقت على جهادكم آمالاً عريضة، ولا تشمتوا بنا وبكم الأعداء.
* أيها المجاهدون:
استشعروا أن الأمة من قاصيها لدانيها قد بعثت إليكم بفلذات أكبادها، واقتطعت لكم من أقواتها، وتعاطفت معكم بكل مشاعرها، رغبة في تحقيق النصر على الأعداء، فكيف بكم وقد صرفتم تلك الجهود والنفوس من قتال العدو المحتل إلى الاقتتال بين المسلمين؟ كيف بكم وقد تحول سلاحكم إلى صدوركم بعد أن كان موجها لعدوكم؟
* أيها المجاهدون:
إن الخلاف بينكم سيسقط هيبتكم في نفوس أعدائكم، وسيكشف للعدو عن مكامن الخلل ونقاط الضعف، وسيستغل تلك الجوانب في إثارة المزيد من الفتن الداخلية فيما بينكم، فلا تعطوه مجالاً، ولاتفتحوا له بذلك باباً ..
* أيها المجاهدون:
هذا الاقتتال فيما بينكم ليس فيه منتصر، فكلا الطرفين خاسر، وكل قطرة دم تراق أو طلقة تذهب أو كادر يتعطل أو وقت يبذل، أو مال ينفق، أو طفل ييتم، أو امرأة ترمل فإن الخاسر الأكبر هم "المجاهدون" بشتى فصائلهم، و"الأمة" من ورائهم تدفع ثمن هذا التنازع، ولا يمكن أن ينزل النصر من حيث يأتي الفشل، قال تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) فهل ينشد النصر من إذكاء هذا النزاع والاستمرار فيه؟
وتأملوا في الفتنة التي وقعت في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وانظروا مايقوله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر النصوص الواردة في النهي عن قتال الفتنة، يقول – رحمه الله-: ( ولأجل هذه النصوص لا يختلف أصحابنا أن ترك عليّ القتال كان أفضل، لأن النصوص صرحت بأن القاعد فيها أفضل من القائم، والبعد عنها خير من الوقوع فيها...) ثم قال: ( لكن بالقتال زاد البلاء وسفكت الدماء وتنافرت القلوب وخرجت عليه الخوارج .. فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال ولم يحصل به مصلحة راجحة، وهذا دليل على أن تركه كان أفضل من فعله فإن فضائل الأعمال أنما هي بنتائجها وعواقبها ) مجموع الفتاوى 4/441-442.
* أيها المجاهدون:
إنكم من خيار هذه الأمة، وقد أرخصتم دمائكم في سبيل الله وابتغاء مرضاته، ولهذا أسائلكم : أين الورع عن الدماء والأعراض؟ أين سلامة الصدور تجاه إخوانكم؟ أين حسن الظن بهم؟ أين حرمة المسلم؟ أين مذهب السلف الصالح في التعامل مع المخالف؟ ولماذا تحولت الصفوة المؤملة في الظروف الحالكة من جهاد العدو إلى قتال الإخوة؟ ومن التحري إلى الجزم، ومن الورع إلى الجرأة، ومن الإيثار إلى الأثرة، ومن حب السلامة من الآثام إلى الانغماس في فجاج الفتنة؟
* أيها المجاهدون:
إن ما يقع بينكم من الاقتتال له أسباب متعددة يجب التنبه لها والحذر مما يمكن أن تؤدي إليه، ومن تلكم الأسباب :
أ – اختراق الصف الجهادي: فالأعداء لهم مهاراتهم وتجاربهم في هذا الميدان وهم على أتم الاستعداد لدفع ثمن هذا الإنجاز مهما كان حجمه، ولاشك أن ما يقع من الاقتتال مرفوض لدى الصادقين من كلا الفئتين ولا يرضى به إلا ما كان في قلبه مرض أو طمع دنيوي، أو كان له ولاء لجهات يعمل لصالحها وينفذ مخططاتها، وللأمة تجارب مريرة فيما حصل من اختراقات في التاريخ الإسلامي تسببت في إراقة كثير من الدماء الطاهرة الزكية، وفي تعطيل حركات الفتوحات الإسلامية.
ب – اندفاع بعض الشباب المتحمسين: فبعض الشباب – هداهم الله – لديهم حماسة وانفعال غير منضبط، مع جهل بأحكام الشريعة ومقاصدها ومآلاتها، أولئك الشباب الذين لايحكمون شرع الله في أنفسهم ولا يضبطون تصرفاتهم بضوابطه، قد يكونون وبالا على أنفسهم وعلى إخوانهم المجاهدين من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا ، فحسن النية لا يستلزم صلاح العمل .
ج – الاستعجال: فإن الاستعجال في قطف ثمرة الجهاد وتحصيلها قبل أوانها قد يدفع إلى تصرفات خاطئة تحت هذا الضغط، وبخاصة مع الإحباط الذي يصيب النفوس نتيجة استطالة الطريق، والذي يكون سببه - أحياناً - : التفاؤل المفرط، والطموح الذي لا يتناسب مع القدرات والإمكانات والواقع، فإذا اصطدم المتفائل بالواقع الفعلي شعر حينها بالإحباط، وأن ما كان يظنه هدفاً قريباُ ويسيراً ليس كذلك على الحقيقة، فربما استعجل الخطى، وتسرع في الأمور فأورده ذلك المهالك.
د – عدم الثبت في الأخبار : إن عدم الأخذ بالمسلك الشرعي في التثبت فيما يتم تناقله من أخبار ومعلومات ووقائع، وعدم العدل فيما يصدر من أحكام بناء عليها، هو أحد أهم الأسباب الموقعة في الفتنة، والله تعالى يقول عن الناقلين للفتنة ( إذ تلقونه بألسنتكم) فمع أن التلقي يكون بالأذن أصلاً لكنهم لما أسرعوا بنقله من آذانهم إلى ألسنتهم، قال (تلقونه بألسنتكم)، كما أن الله تعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
د – الغلو والتعجل في التكفير : فإن المسارعة في التكفير من غير مراعاة للأوضاع القائمة والدوافع والمبررات، والظروف المصاحبة لقول القائل أو فعله، ودون مراعاة للضوابط الشرعية في التكفير وشروطه وموانعه، مؤدٍ بالضرورة إلى انتشار التكفير، ومن ثم استحلال الدماء والأموال.
وليتأمل المجاهدون كيف أنه وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أفعال من بعض الصحابة ومن سواهم، وكانت بعض تلك الأفعال من ضمن المكفرات - من حيث هي- لكن الظروف التي صاحبتها جعلت حكمها مختلفاً، ومنعت من إطلاق لفظ الكفر على فاعلها، أو منعت من إقامة الحد عليه، فلم يكن مباح الدم إذ ذاك، ولنا في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وحادثة الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بأنهم "أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء" لنا في تلك الوقائع وأمثالها خير قدوة، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين مع معرفته بهم وبأسمائهم، وقد برر ذلك بقوله ( حتى لايتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) فإذا امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين لهذا الاعتبار فكيف بقتل من انتدب نفسه لجهاد المحتلين وقتال الكافرين؟
هـ - عدم اعتبار السياسة الشرعية في التعامل: فمن المهم مراعاة السياسة الشرعية فيما يقع من أخطاء أو خلافات بين المجاهدين ، فحين يغلب بعض الأطراف جانب القوة في حل ما يقع من خلافات مع الاستهانة بما يترتب على ذلك من إراقة الدماء الزكية الطاهرة من دماء المجاهدين، والغفلة عن الوعيد الشديد الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يزال المرء في سعة من أمره ما لم يصب دماً حراماً) فإن الفتنة – والحال هذه – واقعة بلا شك .
و – الداء الخفي : فإن في بعض النفوس داءً دفيناً خفياً وهو الرغبة في الجاه وتحصيل المنصب، وهو الداء الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك أن اعتقاد بعض النفوس أنها أولى بالقيادة أو الإمارة أو غيرهما، وتعلق القلوب بثمرات العمل العاجلة من نصيب الدنيا، وزيادة الثقة في النفس واحتقار الآخرين، كل تلك من أعراض هذا المرض الخفي.
فعلى المجاهدين أن تتعلق قلوبهم بوعد الله الصادق الذي لا يخلف (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)، وقوله تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ) وقوله صلى الله عليه وسلم :( وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة)، وقوله :( ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دما ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك).
وعلى المجاهد في سبيل الله أن لا يغتر بما قدمه في هذا السبيل من تضحيات، وأن لا يحمله ذلك على العجب بعمله، وليجعل رضا الله تعالى مقصده ووجهته، وليكن ممن قال الله فيهم (أولئك يرجون رحمة الله ).
* أيها المجاهدون:
تأملوا في الكثير من الحركات الجهادية التي قامت وثورات التحرير في العالم الإسلامي والتي بدأت من بيوت الله تعالى وعلى يد علماء أبرار أطهار رووا هذه الأرض الطيبة بدمائهم الزكية العطرة، وتفكروا ملياً : كيف استطاع الأعداء سرقة ثمار الجهاد في عدد منها، وكيف دفع المجاهدون في الكثير من بقاع الأرض ثمناً باهظاً من النفوس والأموال، ثم كانت العواقب أن قام الأعداء بقطف الثمرة بكل سهولة ويسر!
إنكم اليوم – بخلافكم واقتتالكم - تعيدون نفس التجربة، وتتسببون في ذهاب ثمرة الجهاد إلى الأعداء وبخاصة مع كثرة المتربصين، وليس لكم عذر فيما تتسببون فيه من خسارة كبيرة لهذه الأمة، فاتقوا الله في هذه الأمانة وقوموا بها حق قيام .
وأختتم حديثي بتوجيه رسائل أخرى لمن يعنيهم الأمر :

* الرسالة الأولى : للعلماء والدعاة ووجوه الناس في الأمة الإسلامية :
إن عليكم واجباً عظيماً تجاه الجهاد وأهله، إذ عليكم المبادرة بتحمل المسؤولية المناطة بكم في الإصلاح بين المجاهدين، والنصح لهم، واستنقاذ ثمرة الجهاد التي توشك أن تذهب، وأعطوا الأمر أهميته اللائقة به، ولا يمنعكم مخافة الناس – من سلطان وغيره - من أن تقوموا بالحق وتنصروه، إن عليكم أن تعلنوا موقف الرفض لما يجري من الاقتتال بين المجاهدين، وتبدوا استعدادكم للتدخل بالإصلاح وحقن دماء المجاهدين وتوفير قوتهم وسلاحهم لعدوهم المحتل وأذنابه، وعليكم التنادي إلى اجتماع كبير للعلماء على مستوى الأمة سعياً في الحل وحقنا لدماء أهل السنة .

* الرسالة الثانية : لأهل السنة في العراق.
يا أهل السنة: أنتم محضن العمل الجهادي في العراق ومادته، وأنتم حملته وحراسه، وأنتم حصنه المنيع، وإن لكم في هذه النازلة دوراً كبيراً ومؤثراً إذ قمتم به أوشكتم أن تحسموا النزاع وتقللوا من أخطاره، فعليكم المبادرة بالإصلاح وإيقاف نزيف الدماء المجاهدة .
يا أهل السنة: لاتنقسموا بين الفصائل المجاهدة فتزيدوا من وقود المعركة وتؤججوا الفتنة، بل توقفوا عن القتال مادام ذاك القتال موجها إلى إخوانكم، واعلموا بأن ذلك أسلم لكم بين يدي الله تعالى، واسعوا في إطفاء الفتنة بكل ما أوتيتم من قدرة، ووحدوا جهودكم في مواجهة المحتل وأذنابه.
يا أهل السنة: ليقم وجهائكم وكباركم بالسعي في الإصلاح بين الفصائل المتنازعة، وتشكيل مجلس مقبول من الجميع ليكون مرجعاً عند الاختلاف، ولتكن توجيهاته أمراً يلزم المصير إليه.

* الرسالة الثالثة: لقادة الجهاد في العراق:
أيها القادة : ماذا ترجون من منصب القيادة الذي تسنمتموه ؟ إنك الآن تحققون أعظم إنجاز تحلم به الأمة في عصرها الحاضر.. إنكم تحطمون أسطورة الوهم الأمريكي ( الجيش الذي لا يهزم)... إنكم تصدون الاحتلال عن جميع بلاد المسلمين وتكسرون شوكة دولة الاستكبار العالمي.. إنكم تتبوءون أعلى منزلة بإخلاصكم في جهادكم وثباتكم على مبادئكم .
فإياكم أن يتحول ذلك كله إلى طموح دنيوي ورغبة جامحة في المنصب أو السلطة، أو الحظوظ الدنيوية مهما كان حجمها؟ .
وتأملوا في النموذج القريب في بلاد الأفغان، فهاهو ماثل أمامكم، ألم تروا القادة الأفغان الذين كانوا ملء السمع والبصر، يجوبون بلاد الدنيا، وتستقبلهم القلوب قبل الأبدان، و يلهج بذكرهم والثناء عليهم والدعاء لهم الصغير قبل الكبير .. أين هم الآن؟ لقد طواهم الزمن بعجلته، وتحولوا من العزة إلى الذلة، وتجرعوا من كأس المهانة ما لم يخطر لهم على بال، وأصبحوا أنصاراً للأعداء المحتلين بعد أن كانوا قادة في محاربة المحتل وأذنابه،(من يهن الله فماله من مكرم).
أيها القادة : إن عليكم أن تجتمعوا فيما بينكم لحل المشكلات وإنهاء الخلافات و تقليل آثارها، وأن تقيموا فيما بينكم قنوات اتصال سريعة تمكنكم من التشاور والنقاش والتناصح، وتكون أسلوباً لتوضيح المواقف، وتجلية الغموض، وتفسير الأفعال والتصرفات التي تقع من أحد الفصائل تجاه فصيل آخر، مع الحرص التام على محاسبة المخطئين من فصيلكم، ومحاكمة من تجاوز منهم بحكم الشرع، وتقديم التنازلات لهذا الفصيل أو ذاك سعياً في جمع الكلمة وحقناً للدماء.

* الرسالة الرابعة: إلى أفراد المجاهدين في العراق .
إن عليكم أيها الإخوة البائعين نفوسهم لأجل الله أن تلتزموا قتال إخوانكم من المسلمين تحت أي ذريعة، ولايجوز لكم طاعة الأمير إذا كان أمره في معصية الله تعالى، ومن ذلك الأمر بقتل أحد من المسلمين بسبب خلاف أو اختلاف لايبرر قتله، وعليكم التورع عن الدماء المسلمة حتى لا تلقون الله تعالى فيحاسبكم بها.
ولست مقاتلا رجلاً يصلي * على سلطانِ آخرَ من قريشِ
له سلطانهُ وعليَّ إثمي * معاذ الله من سفهٍ وطيشِ
أأقتل مسلماً في غير شيءٍ * فليس بنافعي ما عشت عيشي
وهذا على بن أبي طالب رضي الله عنه - مع أنه أولى بالحق في قتاله لمعاوية رضي الله عنهما- ، فإنه قد مدح سعد بن أبي وقاص و عبدالله بن عمر رضي الله عنهما لعدم مشاركتهما في الفتنة بقوله: (لله منزل نزله سعد بن مالك و عبدالله بن عمر ، والله لئن كان ذنباً إنه لصغير مغفور ، ولئن كان حسناً إنه لعظيم مشكور).
وكان مسروق إذا قيل له : أبطأت عن "علي" وعن مشاهده يقول : أرأيتم لو أنه حين صف بعضكم لبعض فنزل بينكم ملك فقال (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) ، أكان ذلك حاجزاً لكم . قالوا نعم ، قال : فو الله لقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم وإنها لمحكمة ما نسخها شيء ).
وعليكم أن لا تبدأوا القتال مع المسلمين، ولتقتصروا على رد الصائل عند الحاجة، مع الحرص على عدم الاستمرار في رده متى ما انصرف، وفتح المجال له للهرب وإنهاء القتال، وليكن دفعه بالأدنى قبل الأعلى، ولينتقل معه من درجة إلى أخرى عند التعذر، فإن التهديد، والأسر، والتخويف بإطلاق النار قريباً منه، والإصابة في غير مقتل، كلها درجات في الرد، لايصح الانتقال إلى أعلاها إلا اضطراراً ، كما أنه يجب أن لايجهز على جريح، ولايلحق مدبر.

* الرسالة الخامسة: للمشاركين في تصعيد الفتنة:
إلى كل من يشارك في تصعيد الفتنة وتأجيجها من كتاب وداعمين ومنظرين ومعتذرين ممن يريدون الخير والصلاح للأمة.. أقول لكم : اتقوا الله في كل كلمة تقولونها أو خطوة أو عمل تصنعونه مما قد يتسبب في إراقة الدماء المعصومة، واعلموا أنكم بفعلكم ذلك لستم مشتركين في قتل الأنفس المسلمة فحسب، بل إنكم لتشاركون في إسقاط الجهاد وإضعاف المجاهدين وتفريق شملهم وإعانة عدوهم من حيث تشعرون أو لا تشعرون. فاتقوا الله وقولوا قولاً سديداً .

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.

وصلى الله على نبينا محمد

تم تحريره في 20 ذو القعدة 1428 هـ

وقفات مع كلمة الشيخ أسامة التي بعنوان ( إلى أهلنا بالعراق)



بسم الله الرحمن الرحيم

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)

استمعت إلى كلمة الشيخ أسامة ابن لادن المعنونة بـ(إلى أهلنا بالعراق)، وقرأت بعض ماكتب حولها من تعليقات وتحليلات من قبل الأصدقاء والأعداء على حد سواء، فأحببت المشاركة في ذلك لعلي أن أضيف جديداً وأوضح بعض الحيثيات المهمة في هذا الخطاب.
وقد قسمت المقال إلى جوانب ثلاثة : الجانب الأول : ملامح عامة للخطاب، والجانب الثاني : المعاني الإيجابية في الخطاب، والجانب الثالث : الملاحظات على الخطاب .
فأبدأ مستعينا بالله فأقول :


( أولاً ) : ملامح عامة للخطاب :


1- الخطاب كتب بلغة متينة وعبارات جميلة وسبك أدبي رفيع، يجعل القارئ والمستمع يتذوق العبارات ويتأثر بها ويتفاعل معها.
2- الخطاب يسمي المجاهدين المنتسبين لدولة العراق الإسلامية بـ( تنظيم القاعدة) ولايشير مطلقاً لاسم الدولة ، وهو ماقد يفهم منه عدم تأييده لإعلان الدولة، أوقد يكون ظهر للشيخ أن إعلان الدولة قد كان سببا في زيادة الفرقة وحصول الاقتتال بين المجاهدين، وهذا من الفقه في التعامل مع الأزمة العراقية .
3- استخدم الخطاب مصطلح (العمليات الفدائية) بشكل متكرر، مما قد يفهم منه تحفظه على بعض صور الأداء لتلك العمليات مما يجعلها لا تستحق أن تسمى (عمليات استشهادية)! أو أن للشيخ تحفظاً شرعياً على مصطلح (الاستشهادية) ابتداءً ، ولم يترجح لدي شيء من هذين الاحتمالين .
4- جاء الخطاب بمثابة طوق نجاة لما تعانيه القاعدة في العراق، وبخاصة بعد الانسحاب من أكبر مراكز نفوذهم في الأنبار، ومايتعرضون له في ديالي التي تلي الأنبار في حجم النفوذ، وذلك على يد العشائر، ولهذا كان التركيز في الخطاب على العشائر والثناء عليهم ودعوتهم لمواجهة الاحتلال وعدم السير في ركابه، ومما يؤكد ذلك أيضا دعوة الشباب للنفير إلى العراق، وكأن العمل يمر بمرحلة انحسار في الوقت الراهن.
5- ظهر في الخطاب أثر ردة الفعل بشكل واضح، وكأنها فرضت نفسها على الشيخ ليخرج عن مسار الحديث، وذلك حين شدد في التحذير من علماء السعودية! وكأنها ردة فعل للرسالة الشفهية التي وجهها الشيخ سلمان العودة للشيخ أسامة، أوردة فعل على بيان مفتي السعودية حول الجهاد، ومع تحفظنا على بعض ما ورد في كلمة الشيخ سلمان وبيان المفتي المشار إليهما إلا أن ردة الفعل ليس هذا موضعها في خطاب عام قصد منه جمع كلمة المجاهدين في العراق.
6- أعتقد أن الخطاب جاء متأخراً في موضوعه، وقد تكررت النداءات والمطالبات للشيخ بالتدخل لوضع حد لما يجري في العراق، وذلك من قبل الكثير من القيادات ادخل العراق أو من يعنيهم الشأن العراقي من الخارج، ويبدو أن الشيخ لم يشعر بأهمية تلك النداءات حتى رأى الأثر السلبي لتلك التجاوزات على أرض الواقع، حين أصبحت الفرقة تهدد مستقبل الجهاد وتلقي بحبل النجاة للمحتل الأمريكي للخروج من المأزق العراقي.
وأظن أن الشيخ يعز عليه أن يطرح ما طرحه بشكل علني، لكنها الشجاعة في الحق من ناحية والشعور بالحاجة الملحة والضرورة لمثل هذا النداء من ناحية أخرى.
والملاحظ أن هذا النداء بالاجتماع ونبذ الفرقة لقي ترحيبا عاما وفرحا غامرا من الجميع، سواء ممن كان في الميدان أو من يراقب الوضع من خارجه، بل شمل ذلك الفصائل التي تضررت بتلك التجاوزات وأكسبتها عداء للقاعدة، إذ رحبت هي الأخرى بهذه الدعوة وأعلنت تقبلها لهذا الطرح مما يبعث على التفاؤل في إمكانية حصول الاجتماع بين الفصائل المجاهدة وأن ذلك مطلب مشترك، وهو ما يشجع أصحاب مشروع الإصلاح على المواصلة في جمع كلمة المجاهدين وأن ما يظهر من التباين والاقتتال يقف خلفه استعداد للتراجع والقبول بالاجتماع .
ولم يشرق بذلك إلا بعض أولئك المشبوهين من الكتاب الذين أفزعهم هذا الطرح، وخشوا أن يكون مؤذناً بانتهاء التجاوزات والأخطاء، ومن ثم حصول الاتفاق والائتلاف وزيادة اللحمة بين فصائل المجاهدين فراحوا يؤكدون أن ابن لادن لم يقصد الاعتراف بالخطأ حيث أن أخطاء القاعدة لا تعدو أن تكون من الطبيعة البشرية التي لا يسلم منها أحد – وذلك في تسويغ ماكر للاستمرار في الخطأ وعدم المراجعة – والزعم بأنه لا يمكن الالتقاء بين فصائل المجاهدين لما بينها من التباين، وقد أخذ أولئك في إثارة الفتن ومواطن الخلاف والتذكير بها وتعداد الوقائع والتجاوزات التي وقعت من كل الأطراف، مؤكدة أنه يستحيل اللقاء، مستعيدين بذلك طريقة اليهودي " شأس بن قيس" الذي مر على الأوس والخزرج وقد أسلموا واجتمعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فغاظه ذلك وأخذ يذكر بعضا من الأبيات التي قيلت في يوم بعاث – وهو يوم من أيام القتال بين الأوس والخزرج في الجاهلية – ليوقد الفتنة ويؤجج الصراع وقد أوشك أن يحقق مراده لولا تدخل الرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد كتب أحدهم بروح قلقة ونفس مضطربة مؤكدا أن هذه الكلمة لا تحمل أي تراجع أو اعتراف بالخطأ وأنها لم تأت بجديد على ما يقوله ويكرره البغدادي و أبوحمزة المهاجر ، وأن على الفصائل الأخرى أن لا يفرحوا بهذه الكلمة فالقاعدة على منهجها لم تتغير ولم تتراجع.
ولا ينقطع عجبي من هذه المقولة ، فلم كل هذا القلق والاندفاع والخوف من أن تحقق الكلمة أهدفها بالاجتماع ، وأن يوقف الله بها نزيف الدم بين المجاهدين على أرض العراق؟ ومن الخاسر في حال تحقق الوفاق والصلح؟ ولصالح من استمرار هذا الاقتتال والاحتراب الداخلي بينهم؟
والأعجب من ذلك تلقف بعض أبناء التيار الجهادي وبخاصة من أنصار القاعدة لأمثال هذه المقولات بالقبول والحماس له، والغفلة عما يحمله هذا التوجه المشبوه من مخاطر على مستقبل الجهاد في العراق، وعلى مستقبل القاعدة بالذات، حيث أن أولئك الكتاب يريدون أن يجهضوا –بمقالاتهم تلك- أحد أهم المشاريع التي طرحها الشيخ، ألا وهو (مشروع الدعوة إلى الاجتماع والوحدة)(1).
وأي عيب في الاعتراف بالخطأ وإعلان التراجع عنه، ودعوة الجميع لتجاوز الخلافات ونبذ التعصب والحزبية والوصية بالاجتماع على الحق.
إنها دعوة الأنبياء والمصلحين على مدار التاريخ لا يرفضها ويأباها إلا من في قلبه مرض وغش للمسلمين.
وما أجمل قول الشيخ (وينبغي على أهل الفضل والعلم الصادقين أن يبذلوا جهودهم لتوحيد صفوف المجاهدين وأن لا يملوا في السير إلى الطريق الموصل إلى ذلك)
وقوله (ولا مجال للصراع بين المسلمين المستسلمين حقاً لأمر الله تعالى ولأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم)
وقوله (وينبغي على العلماء وأمراء المجاهدين وشيوخ العشائر أن يبذلوا جهدهم بين كل طائفتين تختلفان)
وعلى الإخوة المجاهدين أن ينتبهوا إلى من يريد الفرقة وإشعال فتيل الصراع لابد وأن يظهر لهم في صورة الناصح بل المؤيد الداعم وأن يقدم في سبيل ذلك قرابين من مقالات الإطراء والتأييد والدفع باتجاه التوتر وتعزيز الاحتقان بين إخوة الجهاد .
وأعتقد أنه لن يتصدى لدفع ثمن الوقوف مع التيار الجهادي إلا من كان من أبنائه المخلصين المضحين، وأما ما عداهم فيجب التوقف في شأنهم وعدم المسارعة إلى قبول ما يطرحونه أو الانسياق معه حتى يتأكد من تاريخ أولئك الكتاب وصدق ولائهم.


( ثانياً ) : المعاني الإيجابية في الخطاب :


* الاعتراف بالخطأ والدعوة إلى تصحيحه، وهذا وإن كان صدمة لبعض المحبين الذين يعتقدون عصمة القاعدة من الخطأ وأنه على فرض حصوله فلا يحل ذكره أو التنويه عنه واعتبار التصريح بتلك الأخطاء لوناً من ألوان الخيانة والوقوف في صف العدو! مما قد يلقي بصاحبه في مهاوي الردى والجحيم، ويجعله مستحقاً للتصفية والإزاحة من طريق المجاهدين أوالتشغيب عليهم. وقد بين الشيخ المنحى الشرعي في التعامل مع أخطاء المجاهدين، وأنهم يخطئون كغيرهم ويناصحون كغيرهم ولايمكن تحميل فريضة الجهاد أخطاء الأفراد وتجاوزاتهم .
* الثناء على أهل العراق والعشائر منهم خاصة، وهذا أمر حسن من أجل تصفية النفوس وتأليف القلوب وتفويت الفرصة على الأعداء الذين يريدون توظيف العشائر في ضرب المجاهدين .
* الدعوة إلى الاجتماع والائتلاف وحل الخلافات بين المجاهدين من خلال المرجعية الشرعية والقضاء الشرعي .
التأكيد على أن المرجعية هي الكتاب والسنة .
* الدعوة إلى نبذ التعصب للأحزاب والجماعات والقادة والرجال، وهو أمر قد يستعصي فهمه أو قبوله على بعض محبي الشيخ والقاعدة لأنهم يعتقدون أن الحق معلق بهم ولا يمكن أن يجاوزهم إلى غيرهم مما قد يجعلهم يصرفون الخطاب على غير مقصوده، ويظنون أنه موجه لسائر الجماعات سوى القاعدة .
* تنبيه المجاهدين إلى أهمية إتقان العمل.
* التحذير من الاختراق والتحذير من المنافقين الذين يثيرون الفتن، وهذه مهمة جداً في الأجواء العراقية المليئة بصور الاختراق، والتي تسببت في خسائر فادحة دفع ثمنها المجاهدون من "القاعدة" وغيرها.
* التفاؤل بعز الإسلام ونصره مع أن المعطيات المحيطة تدعو إلى الإحباط واليأس، ولكن هذه صفة المؤمن الواثق بنصر الله وتحقق وعده، والذي يحسن ظنه بربه في كل وقت وحين.
وأرجو أن لايعود هذا التفاؤل بأثر سلبي يحمل بعض النفوس على التحليق في الخيال وعدم مراعاة سنن الله في التغيير ، أوالغفلة عن حجم التحديات التي تواجه العمل مما يجعل الشباب يتعامل معها بنوع من السذاجة المفرطة .


( ثالثاً ) : الملاحظات على الخطاب :


* انحراف الخطاب عن موضوعه الرئيس بالحديث حول موضوعات ليست في صلب الموضوع بل قد تشوش عليه ، مثل الحديث عن السودان والسعودية مما ليس هذا موضعه وقد يتسبب في عدم قبول الكلمة برمتها لكثرة المخالف للشيخ في هذه المسألة .
* تحدث الشيخ عن السعودية وعلمائها بلغة العموم التي لا تخدم الخطاب وتثير العديد من التساؤلات التي تشكل حرجا للشيخ، ومن ذلك :
o إذا فُهِمَ من الشيخ تحذيره من تدخل (السعودية) في العراق والدور الذي تؤديه هناك، فهل يخفى على أحد دور إيران وما تمارسه ضد أهل السنة؟ فأين الحديث عن الدور الإيراني؟ وأيهما أولى بالتحذير منه؟
o حذر الشيخ من التقاضي إلى علماء السوء عامة وخصص بلاد الحرمين، مع أن خطابه موجه لأهل العراق! أفليس الأولى أن يتم التحذير من التقاضي عند علماء السوء بعامة، وأن يكون التخصيص – إن كان ولابد – بذكر علماء المنطقة التي وجه إليها الخطاب، أو أن يسمي بقية الدول العربية أو الإسلامية، فليس لذلك التخصيص ما يبرره.
ولكن الذي يبدو لي: أن الخطاب – كما سبق – جاء كردة فعل على رسالة الشيخ سلمان العودة أو كلمة المفتي أو كلاهما، وبهذا يفهم هذا التحذير بشكل واضح، غير أنني أعتقد أنه لا يليق بمثل الشيخ أسامة وهو يدير عملاً عالمياً بهذا الحجم أن تصاغ خطاباته على أساس ردات الفعل التي لا تنتهي مبرراتها، فالمخالفون كثر والجوانب متعددة وظهور ردة الفعل تلك في خطاب عام أمر غير مناسب قطعاً .
كما أن النقمة على علماء الحرمين فيها قدر من التعميم الذي لا يخدم الخطاب، حيث اعتبر أن الأدهى والأمر أنهم – أي العلماء - يعتبرون طاغوت الرياض ولي أمر .
والعلماء الداخلون في هذا الوصف هم أوسع دائرة من العلماء الرسميين المقصودين بما ورد في خطاب الشيخ، ومن ضمن أولئك الأعلام الذي يرون حاكم الرياض ولي أمر شرعي أبرز أعلام أهل السنة في هذا العصر كأمثال الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله والشيخ ابن جبرين والبراك والرجحي وغيرهم .
وإن مما يقلق في ذلك أن الشيخ قد ختم تلك الجملة باستشهاده بقول الله تعالى ( هم العدو فاحذرهم) مما يوهم بأنه يعدهم من المنافقين!وهو وصف شرعي تتعلق به الكثير من الأحكام الدنيوية والأخروية .. فهل تتسع ذمة الشيخ لاعتبار كل من يرى أن حاكم لرياض ولي أمر داخلا في هذا الوصف، موصوماً بالنفاق ؟
o دعا الشيخ للخروج المسلح على السودان والسعودية وخلع حكامهما! ولا أدري هل يعني الشيخ بعبارته تلك مايقول حقاً؟ ولماذا هاتان الدولتان فقط؟ هل يرى الشيخ الحكم نفسه على المغرب وتونس وسوريا ومصر والأردن واليمن؟. أم أنها جاءت في سياق ردة الفعل وليست الدعوة إلى ذلك الخروج على ظاهرها.
وهل سيفهم الشباب المتلقفون لهذه الكلمات إن كانت تلك الدعوة مقصودة أم غير مقصودة ؟
ومن سيدفع ثمن الأخذ بهذه التوصية ؟ إذ أن مسألة الخروج والحث عليها أمر في غاية الخطورة، فيجب أن لا تكون مجرد إشارة عابرة في خطاب عام بهذا الشكل .
كما أنها – أي مسألة الحث على الخروج - مسألة كبيرة لها مابعدها ، فعلى فرض توفر الكفر البواح فإن هنالك شروطاً أخرى لابد منها ومن أهمها (الاستطاعة) التي ظهر بالتجربة الواقعية أنها غير متوافرة إطلاقاً، ولعل أثارها السلبية ستكون مدمرة على من قام بها وعلى بقية المجتمع، على دنيا الناس وأديانهم .
وهل يمكن اعتبار (الخروج) لافتة أخرى وشعاراً للعمل المسلح في أرض الحرمين بدلاً من لافتة وشعار (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) ؟
وهل ستتضرر الأنظمة بمثل هذا التحريض أم ستتخذه ذريعة لإطالة أمد احتجاز الموقوفين لديها و التشدد في التعامل معهم، والجرأة على إيقاع أكبر العقوبات بهم، وحشد الرأي العام وتأليبه ضد الجهاد وأهله .
إن المتضرر الأكبر من ذلك ليس الأنظمة، بل إنها – في الحقيقة - المستفيد الأكبر، ومما تجنيه تلك الأنظمة من مثل هذا التصريح :
o إعطاءها الفرصة والذريعة والمبرر للقضاء على التيار الجهادي بحجة أنه يحاول تغيير الأنظمة بالقوة .
o إعطاءها شهادة تزكية بكونها تحارب الإرهاب ، وهو ماجعل عدداً من الدول العربية التي كانت موصوفة برعايتها للإرهاب تنتقل إلى اعتبارها شريكا مهما وفاعلا في الحرب على الإرهاب !
وتساؤل مهم آخر :
هل تغير شيء أساسي في هذه الأنظمة بين المرحلة التي وقف الشيخ فيها أسامة مع هذه الأنظمة في خندق واحد ؟ فعمل معها أو أبدى استعداده لذلك ؟
باعتقادي أنه لم يتغير شيء مؤثر في الحكم عليها، حيث لم يختلف الوضع كثيراً إلا بزيادة في بعض مفرداته أو ظهورها بشكل أوضح، لكنها لم تكن خافية على الشيخ حين عرض على السعودية المساعدة في الدفاع عنها في مواجهة غزو صدام، ولاحين ألقى بثقله في دعم حكومة البشير والترابي .


كانت تلك جملة من الوقفات مع رسالة الشيخ، قصدت منها لفت النظر إلى الجوانب الإيجابية للاستفادة منها، والتنبيه إلى ماوقع في الرسالة من ملاحظات التي يجب التنبه لها، وعدم الانسياق ورائها، فالشيخ حبيب إلى قلوبنا، لكن الحق أحب إلينا، وهو ضالتنا أنّا وجدناها فنحن أولى بها .

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن الأمثلة على ذلك مقال للدكتور أكرم حجازي بعنوان (مهلكم! هذا خطاب نفير وليس كرسي اعتراف).

وقفات متأنية .. مع أحداث نهر البارد




بسم الله الرحمن الرحيم

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)

ابتداء من 20 مايو 2007م انشغل العالم كله والوسائل الإعلامية المختلفة ولبضعة أشهر بالأحداث في لبنان حين تفجرت الأوضاع في مخيم نهر البارد بين تنظيم فتح الإسلام والجيش اللبناني، ثم انتهت الأحداث بمقتل وأسر مايزيد على أربعمائة من فتح الإسلام، فضلاً عن مقتل العشرات من المدنيين الذين لاصلة لهم بأطراف النزاع، إضافة إلى تدمير كامل لمخيم نهر البارد، وتشريد أكثر من ثلاثين ألفاً من سكان المخيم الذي كانوا يعيشون تحت خط الفقر قبل مغادرته.
وأخذ الناس يخوضون – بعلم وبغير علم – في تحليل هذه الأحداث والتعليق عليها، وكثرت الآراء وتباينت المواقف، وتطلعت النفوس الصادقة لمعرفة الحقيقة في خضم هذا الكم الهائل من المقالات التي كتبت عن هذا الحدث، ومن هنا أحببت المشاركة لتجلية الصورة وإظهار الحقيقة من خلال التعريف بحركة فتح الإسلام، وأبرز أهدافها، والموقف الشرعي من الأحداث التي وقعت؟ وهل كان تصرف التنظيم صحيحاً أم خاطئاً...
وإن الباعث لهذا المقال عدة أمور :
- الخلط الحاصل في الكتابة حول هذه الأحداث وتحليلها وتباين الطرح وغلبة الخطأ وسوء الظن فيما كتب.
- التضليل الإعلامي الحاصل نتيجة لعلو الصوت الإعلامي لأحد الأطراف وغلبته على صوت الحق والحقيقة، حيث يملك الجيش اللبناني ومن وراءه إمكانات ضخمة لا يملك عشرها تنظيم فتح الإسلام.
- انسياق بعض العلماء والدعاة خلف الدعاية الإعلامية وتأثرهم بالتضليل الإعلامي في تعليقهم على الأحداث، وسوء ظنهم بالمشاركين فيها.
- الخسارة الفادحة التي مني بها أولئك الشباب الذين يحملون أرواحهم على أكفهم كلما سمعوا هيعة أو فزعة طاروا إليها يبتغون القتل مظانه، فقد صحت نياتهم – أحسبهم كذلك – غير أن صحة النوايا لاتستلزم بالضرورة صحة العمل .
- المحبة الكبيرة لتلك النفوس المجاهدة المتجردة لله، والتي تبتغي نصرة دين الله تعالى، والألم لما أصابها والخوف من تكرار هذه التجربة الأليمة التي تجرع أهل السنة مرارتها ، والخروج بدروس وعبر من هذه المحنة التي دفعنا ثمنها من دماء أبنائنا الطاهرة، ومن دموع وأحزان أهالينا ومعاناة نسائنا وأطفالنا..

* نشأة تنظيم فتح الإسلام:



يعتبر تنظيم (فتح الإسلام) تنظيماً منشقاَ عن (فتح الانتفاضة) والتي بدورها سبق أن انشقت عن (حركة فتح) الأم بقيادة ياسر عرفات.
فقد استطاع النظام السوري حين اختلف مع ياسر عرفات أن يشق المنظمة ويسحب عدداً من قياداتها الثورية لتشكل تنظيم جديد تحت مسمى: فتح الانتفاضة، واحتضن النظام السوري فتح الانتفاضة التي يغلب عليها الاتجاه اليساري وفتح لها مكاتب وقدم لها الدعم المادي والمعنوي.

* من هو شاكر العبسي ؟
يعتبر العقيد طيار/ شاكر العبسي أحد قيادات (فتح الانتفاضة) الفلسطينية.
وقد ولد شاكر الذي يحمل لقب "أبو حسين" في مخيم عين السلطان القريب من أريحا عام 1955، حيث لجأ والده وأقاربه للمخيم من بلدة الدوايمة في محافظة الخليل، حالهم كحال عشرات الآلاف ممن شردتهم النكبة عام 1948 من قراهم ومدنهم ليتحولوا لاجئين في وطنهم وخارجه فيما بعد.
ثم انتقل العبسي مع عائلته إلى مخيم الوحدات في العاصمة عمان بعد ذلك ليتابع دراسته إلى أن أنهى الثانوية العامة عام 1973، حيث قرر المغادرة لليبيا ليلتحق بصفوف الثورة الفلسطينية، وحصل على شهادة الطيران بعد ذلك، وبقي ضمن معسكرات حركة فتح في ليبيا حتى العام 1983عندما انضم للمنشقين عن فتح، والتحق بحركة "فتح الانتفاضة"، ثم انتقل مع غالبية التنظيم الذي كان موجودا في ليبيا إلى سوريا التي بقي فيها حتى العام 2006.
يقول ممثل حركة فتح الانتفاضة في الأردن "إبراهيم عجوة": (إن ملامح تغيير بدأت بالظهور على العبسي بالتحول نحو التدين في عقد التسعينيات، لكنه تحول طبيعي لم يكن يظهر أن الرجل يتحول خلاله لمنهج إسلامي أيديولوجي).
ويضيف عجوة: (إن ملامح الفكر الإسلامي الأيديولوجي ظهرت على العبسي نهاية عقد التسعينيات وبدايات القرن الجديد).
أما الملف الأمني لشاكر العبسي فقد بدأ بالظهور في العام 2002 عندما اعتقل في سوريا على خلفية أمنية وقضت محكمة ميدانية بسجنه ثلاث سنوات، وفي نفس العام كان العبسي يواجه تهما في الأردن بالضلوع في مخطط لاغتيال الدبلوماسي الأميركي لورانس فولي الذي اغتيل عام 2002.
الأهمية في التهمة الأردنية للعبسي هي الربط بينه وبين أبو مصعب الزرقاوي الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في العراق، إذ اتهم العبسي وفقا للائحة الاتهام تلك بأنه على علاقة مباشرة مع الزرقاوي ومطلوبين من تنظيم جند الشام المرتبط بالقاعدة، وحكم عليه بالإعدام غيابيا.
خرج العبسي من السجن السوري عام 2005 لينتقل إلى معسكر "حلوة" على الحدود مع البقاع اللبناني بالقرب من منطقة راشيا.
وتقول مصادر فلسطينية: إن خلافات عميقة ظهرت بين العبسي وقيادة فتح الانتفاضة، مما أدى بالرجل للانتقال إلى مخيم البداوي، حيث قاد انشقاقا ضد الحركة استولى خلاله على كافة قواعدها ومقارها في مخيمي البداوي ونهر البارد شمالي لبنان وبرج البراجنة قرب الضاحية الجنوبية لبيروت. (الجزيرة نت).

* الأهداف المعلنة لفتح الإسلام:
هناك مجموعة من الأهداف المعلنة لفتح الإسلام من خلال تصريحات المسئولين عنها في عدة مناسبات، أهمها:
· مواجهة القرار 1559 القاضي بنزع سلاح المليشيات الفلسطينية.
· الإصلاح الإسلامي لمجتمع المخيمات الفلسطينية في لبنان كي تتوافق مع الشريعة الإسلامية.
· تصحيح المقاومة الفلسطينية بحيث تكون تحت رايات جهادية واضحة المنطلقات لمواجهة إسرائيل.
· طرد الأمريكيين خارج الوطن العربي وإنهاء مصالحهم فيه.
· نصرة أهل السنة ضد الشيعة و تشكيل شوكة لأهل السنة في حال حدوث قتال طائفي في لبنان، ولما حصل لغط حول هذا الهدف أعلنت (فتح الإسلام) أنها لا تعتزم مواجهة حزب الله أو توجيه ضربات أمنية ضده، لكن التنظيم ينتقد الحزب لأنه يحتكر المقاومة ضد اليهود ويستأثر بمنطقة الحدود الجنوبية اللبنانية مع فلسطين.
ومن الأهداف غير المعلنة:
· تكوين مراكز تدريب للشباب الذين يرغبون الذهاب إلى العراق أو العمل لنصرة الدين في أي مكان.
· ضرب القوات الدولية في لبنان (اليونيفيل) وبخاصة في حالة حدوث فوضى في لبنان مما يهيئ للدخول إلى فلسطين.
كما أثير حول أهدافهم دعاوى هم منها براء وليس عليها دليل، مثل :
· أنهم يهدفون إلى إقامة خلافة إسلامية في الشمال اللبناني.
· أنهم يهدفون إلى قتال الجيش اللبناني الذي هو بين كافر ومرتد.

* أبرز التفسيرات لكيفية ظهور تنظيم (فتح الإسلام):
عند التأمل في نشأة هذا التنظيم والظروف التي مر بها وطبيعة العلاقة مع الأطراف المختلفة يمكن أن نتوصل إلى أن هناك مجموعة من الآراء التي تفسر ظهور هذا التنظيم، ومن أبرزها:
التفسير الأول :


أن فتح الإسلام صنيعة سورية استطاعت احتواء عدد من المجاهدين وتوظيفهم لتحقيق أهدافها، وأن التنظيم يدار بأيدي استخباراتية سورية وفلسطينية لتحقيق الأهداف المطلوبة، ولا يلزم من هذا أن يكون جميع الأفراد على علم بهذه العلاقة، لكن معنى ذلك أن سوريا هي التي زرعت هذه النبتة ورعتها ووجهتها لتحقيق أهدافها من خلالها، ودليل ذلك أن الأعمال التي قامت بها كلها تصب في مصلحة النظام السوري وتعتبر تنفيذا لتهديداته، وهو تفسير مستبعد لدي لما سيأتي من تفصيل.
التفسير الثاني :


أن فتح الإسلام تنظيم جهادي له أهدافه السامية، وقد أراد أن يستثمر الإمكانات السورية لتحقيق الأهداف المشتركة حيث تتقاطع المصالح ويتوحد الأعداء، فهما جميعاً ضد إسرائيل وأمريكا وعملائهما في المنطقة.
ومعنى هذا أن فتح الإسلام تتعامل أو تتعاون مع النظام السوري بوعي لتحقيق الأهداف المشتركة بينهما، وبهذا فإن فتح الإسلام لا يمكن أن تعمل في أي اتجاه يخالف منهجها حتى لو طلب منها السوريون ذلك، ويدرك السوريون أنها جماعة جهادية لكن لا مانع لديهم من الاستفادة منها لتحقيق بعض أهدافهم.
التفسير الثالث :


أن فتح الإسلام تنظيم جهادي ليس له أي علاقة مع النظام السوري إلا العداء، حيث سبق للنظام السوري أن اعتقل قائد التنظيم (شاكر العبسي)، وسبق أن قتلت سوريا أربعة من قيادات فتح الإسلام على الحدود مع العراق، وأن تباين الفكر والتوجه والولاء بين النظام السوري والتنظيم يؤكد ذلك، ويكون شاكر العبسي قد استطاع أن ينقلب على فتح الانتفاضة بعد أن استفاد منها في بناء تنظيمه وتدريب رجاله وإحكام سيطرته على فروع فتح الانتفاضة في المخيمات اللبنانية بحيث كان يخفي توجهه الحقيقي لحين حانت ساعة الصفر ليعلن عن إنشاء تنظيم فتح الإسلام، بحيث أن العبسي فضل أن ينسحب بعد تحقيق مكاسب دون أن يتم فصله قبل أن يحقق ما يريد، وأن يكون قد ساعده في ذلك (أبو خالد العملة) – الرجل الأول في فتح الانتفاضة - إما لقناعاته الثورية أو لقاء رشوة مالية كبيرة.

* تساؤل مهم: ما علاقة فتح الإسلام بالعراق ؟
للإجابة على هذا السؤال أقول بأن المراقب للأوضاع يدرك أن فتح الإسلام على علاقة وثيقة بقاعدة العراق تصل إلى أن تكون جزءاً تنظيمياً منها، ويدل على ذلك:
- العلاقة بين شاكر العبسي وأبي مصعب الزرقاوي، لدرجة أن شاكر من ضمن المتهمين في عملية مقتل الدبلوماسي الأمريكي التي أعدها ورتب لها أبو مصعب الزرقاوي.
- أن كوادر شاكر العبسي المشاركين في العراق يتبعون لتنظيم القاعدة في العراق وليسوا مستقلين أو مع جماعة أخرى.
- أن الكوادر الذين انضموا إلى فتح الإسلام في لبنان هم ممن أرسلوا من (القاعدة في العراق) للمشاركة في تكوين التنظيم، أو وجهوا مباشرة إلى سوريا ولبنان قبل وصولهم للعراق.
- التوافق الفكري بين التنظيمين.

* علامات استفهام حول تنظيم فتح الإسلام:
( وذكرها هنا من باب الاستقراء وليس بالضرورة أن تكون مقبولة لدى الكاتب، فليتنبه لذلك)
تثار على هذا التنظيم عدد من الاستفهامات التي تحمل على التشكيك في ولائه وأهدافه، ومن أهمها:
- كيف تحول "شاكر العبسي" مع مجموعة من كوادر فتح الانتفاضة -التي يغلب عليها التوجه اليساري- إلى اتجاه إسلامي بل وجهادي في يوم وليلة.
- كيف يمكن للنظام الباطني السوري أن يطلق سراح شاكر العبسي من غير شروط ولا تعهدات بعد أن اعتقله على ذمة قضية أمنية؟ وفي السجون السورية المئات ممن أمضوا عشرات السنين لمجرد الاشتباه ؟
- هل سيسمح النظام السوري بنشوء جماعات جهادية متطرفة لوجه الله تعالى من غير أن يكون له مصلحة من نشوئها أو علاقة بتوجيهها والاستفادة منها.
- بدأ شاكر العبسي بتدريب مجموعاته بمعسكرات (فتح الانتفاضة) التابعة لسوريا ومخيمات بيروت !
- استولى شاكر العبسي على مقرات فتح الانتفاضة وجميع مخازن الأسلحة ولم تعترض فتح الانتفاضة بل اكتفت بفصله من الحركة !
- الأعمال التي قامت بها فتح الإسلام كلها تصب في مصلحة النظام السوري وفي التوقيت الذي يناسبه.
- لايمكن لفتح الإسلام ولا لغيرها أن تعمل بهذا الحجم والانتشار في الساحة اللبنانية من دون دعم سوري أو جهة ذات ثقل كبير في لبنان .
- تصريحات وتهديدات الرئيس السوري بأن تشكيل المحكمة الدولية يعني نشوء حرب أهلية وفوضى في لبنان، فيا ترى من سينفذ هذا التهديد في الواقع؟ إن الذي حدث هو تفجير الأوضاع على يد فتح الإسلام !
- أغلب كوادر (فتح الإسلام) غير الشامية كانوا يحملون هويات سورية مزورة !
- تدفق الدعم بالمال والسلاح على فتح الإسلام بحيث استطاعت أن تجمع الأنصار وتحشد الأسلحة خلال فترة وجيزة وكأنها في سباق مع الزمن.
- معرفة الكاسب الأكبر والخاسر الأكبر من هذه الأحداث يوحي بمن يقف ورائها ( وسيأتي المزيد من تفصيل ذلك في الآثار المترتبة على الأحداث).
- التنسيق أو العلاقة الهادئة مع (فتح الانتفاضة) و(القيادة العامة) المواليتين لسوريا وتوترها مع (فتح أبي عمار).
- موقف الحزب (حزب الله) من فتح الإسلام وتحذير حسن نصر الله الجيش اللبناني من اقتحام المخيم!واعتباره خطاً أحمر.

* الآثار السلبية المترتبة على هذه الأحداث:
يؤسفني القول أن المستفيد الأكبر من هذه الأحداث هم الباطنيون والرافضة، وأن الخاسر الأكبر هم أهل السنة في لبنان عموماً والجماعات الإسلامية أو الجهادية بشكل خاص.
ومن ابرز تلك الآثار مايلي:
** إضعاف أهل السنة في لبنان من خلال:
o إعطاء ذريعة للحكومة اللبنانية لضرب التيار السلفي بتهمة أنه الحاضن لهذا التنظيم. o اعتقال عدد من رؤوس أهل السنة ورموزهم العلمية والجهادية والتضييق عليهم.
o كسر شوكة أهل السنة، واعتبار كافة المساعي لتقويتهم في محل الاتهام والشبهة.
o الخسارة الكبيرة بمقتل عدد من الكوادر الجهادية من أهل السنة واعتقال آخرين ينتظرون أحكاما قد تصل إلى الإعدام.
o كراهة أهل السنة للمجاهدين، وذلك لما ترتب على اجتهادهم من الأضرار و المفاسد فخسر المجاهدون عمقهم الاستراتيجي وهم عموم أهل السنة.
o تدمير مخيم نهر البارد بالكامل وتشريد أكثر من ثلاثين ألفاً ومقتل عدد من المدنيين الأبرياء.
o تعريض نساء وأطفال المجاهدين للابتزاز والأذى الحسي والمعنوي، وإن من يرى ماحصل من مشاهد تسليم نساء وأطفال المقاتلين من فتح الإسلام يصاب حزن وألم عميقين ويأسف لما وقع على أولئك النسوة من الأذى والنكال، حيث عاشوا أسابيع عديدة وهم يهربون من موقع لآخر، ويتعرضون لأنواع القصف، إني لأتعجب لهؤلاء الإخوة كيف لهم أن يقحموا نسائهم وأطفالهم في هذه المواجهة الخطيرة التي لايطيقونها؟ كيف لهم أن يعرضوهم لهذا البلاء العظيم والرعب الهائل؟ ألم يكن بإمكانهم حين اختاروا لأنفسهم خيار المواجهة أن يضعوا نسائهم وأطفالهم في مكان آمن بعيداً عن رحى الحرب التي لم يخلقوا لها ولا تستطيعها نفوسهم؟ ألم يكن بإمكانهم إخراجهم مع الثلاثين ألفاً من سكان المخيم الذين خرجوا منه على مدى شهرين وأكثر ؟
o إرباك الساحة السنية وزيادة شرخها واتساع الخلاف فيها، وهو الهدف الذي طالما سعى إليه حزب الله وبذل من أجله الأموال والجهود.
** ضرب المخيمات الفلسطينية:
o وهو هدف كبير لعدد من الأعداء وعلى رأسهم إسرائيل وأمريكا ثم الباطنية والرافضة (سوريا وحزب الله) الذين يصنفون القوى الفلسطينية بأنها شوكة سنية، وماجرى في لبنان ومايجري في العراق من قبل الرافضة يشهد بذلك.
o أعطت ذريعة لتأكيد مشروع نزع سلاح المنظمات الفلسطينية، ولطالما طالب الإسرائيليون والأمريكان وأذنابهم بـ(ضبط الأمن في المخيمات) من قبل الأمن اللبناني.
o حدوث شرخ كبير بين أهالي المخيمات الفلسطينية وعموم أهل السنة في لبنان بسبب الأحداث التي تتبادل الأطراف الاتهامات بالمسؤولية عنها.
o زيادة الفجوة بين التنظيمات الجهادية الفلسطينية والتنظيمات الجهادية الأخرى التي تقف خلف فتح الإسلام.ويظهر هذا من خلال موقف حماس وغيرها مما يجري في نهر البارد.
** تحقيق مكاسب للباطنية والرافضة:
o ماسبق ذكره من إضعاف أهل السنة وكسر شوكتهم وهم المنافس التقليدي للرافضة.
o أعطت الأحداث (حزب الله) فرصة للتنفس في ظل مشاغلة غيره للحكومة التي يعارضها.
o بات بوسع الحزب تنفيذ عمليات أمنية ضد أية أهداف وإلصاقها بفتح الإسلام.
o أصبح بإمكان الحزب التنصل من أي اتهامات حول الأحداث التي تقع في الساحة اللبنانية كضرب اليونيفيل وإطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات أو أي عمليات اغتيال و تفجير حيث يمكن أن تنسب لفتح الإسلام.
o استفادة النظام السوري من إرباك الساحة اللبنانية وإشغالها عن المحكمة الدولية.
o سعي النظام السوري لتصفية خصومه في ظل الفوضى والتوتر الأمني الذي كشف الأمن اللبناني وأضعفه.
o سهولة أن تنسب الأعمال التي يقوم بها النظام السوري في لبنان إلى فتح الإسلام أو القاعدة.
o تحقيق الاختراق السوري للتنظيمات الجهادية وتنفيذ بعض مشاريعه من خلالها.
ومن الآثار السلبية كذلك: إعطاء ذريعة لأمريكا والغرب للتدخل السافر والمباشر في لبنان بحجة محاربة الإرهاب.



* الموقف الشرعي من الأحداث:
من خلال تأمل ماسبق، والنظر فيه بعين التجرد والإنصاف، يتضح أن تصرف الإخوة في تنظيم (فتح الإسلام) كان تصرفاً خاطئاً بوضوح، فلم تكن الظروف مواتية إطلاقاً للقيام بعمل كهذا، وكانت نتائج العمل محسومة قبل بدايته، فالقوى غير متكافئة، والأوضاع المحلية والدولية لاتساعد إلا على قمع هذا التنظيم واستئصاله، وبهذا فإن العمل – من وجهة نظري – غير مشروع، وهو اجتهاد خاطئء، وسواءً كان الإخوة قد خططوا للقيام بهذا العمل ابتداءاً أو استدرجوا إلى ذلك دون أن يحسبوا له حساباً فإن هذا لايؤثر على النتيجة النهائية بتخطئة العمل وعدم تأييده، والتحذير من مغبة إثارة أعمال مشابهة في باقي المخيمات الفلسطينية داخل لبنان وخارجها.
ولعل المتابع للتصريحات والمواقف التي تبنتها عموم الجماعات الإسلامية في لبنان، دعوية كانت أو جهادية (كالجماعة الإسلامية اللبنانية، وتيار المستقلين، وعصبة الأنصار وغيرهم..) أو المواقف التي صرح بها العلماء والدعاة والمجاهدين هناك يرى اتفاقهم على تخطئة الإخوة في فتح الإسلام وتحميلهم تبعات هذه الأحداث وماترتب عليها من مفاسد وأضرار، وليس يستثنى من هذا الاتفاق سوى ماكان من (جند الشام) و(القاعدة في بلاد الشام) الذين ظهروا بمظهر التأييد وتوعدوا بالانتقام والقيام بأعمال مساندة، وهم في الحقيقة جزء من العمل وإن تعددت الأسماء.
وهؤلاء المتفقون على تخطئة العمل غير متهمين في مواقفهم، وهم من أعرف الناس بحال المنطقة ومايناسبها من العمل، وكون الإخوة في فتح الإسلام قد استدرجوا ووقعوا في الفخ الذي نصب لهم فإن ذلك لا يبرر عملهم ولا يستدل به على صحة اجتهادهم، بل إن ذلك مما يؤكد خطأ هذا الاجتهاد، وكان من الواجب عليهم سماع نصح الناصحين والحذر من كيد الأعداء ومكرهم.
وهذا – بطبيعة الحال – لا يعني إلغاء مفهوم الولاء والبراء، فلايدفعنا هذا الموقف إلى أن نوالي الجيش اللبناني، ولايعني أن نفرح بما أصاب إخواننا بل إننا على ما أصابهم لمحزونون موجوعون، ولم يحملنا على كتابة ماسبق سوى الرغبة في حقن دماء إخواننا والاتعاظ بما وقع وأن لا نلدغ من الجحر ذاته مرتين، وإلا فإن (فتح الإسلام) إخوتنا وهم – وإن أخطأوا – فإنهم أقرب وأحب إلينا من الجيش اللبناني، وإنما حديثنا هنا عن صواب العمل من خطئه.

* الدروس والتوصيات المستفادة من الحدث:
- عظم كيد العدو ومكره سواء من خلال الاختراق السوري وتوظيف المجاهدين لصالح مشروعه، أو من خلال الاستدراج اللبناني الذي نجح في جر الشباب لمواجهة غير متكافئة، وهذا يستدعي الحذر والاحتياط وعدم الاستعجال وأهمية التشاور مع أهل الخبرة والوعي وعدم الاستقلال بالرأي. فإن العدو قد يسعى لافتعال بؤر استقطاب لشباب الجهاد يتم تجميعهم فيها ثم يتم القضاء عليهم وأسر من يمكن منهم ثم جمع معلومات مهمة حول مراكز التوجيه ومصادر الدعم ونقاط القوة والضعف. وقد يكون سكوت الحكومة اللبنانية ومن ورائها أجهزة الاستخبارات العربية والأجنبية عن تنامي تنظيم فتح الإسلام وتوسعه وانضمام كوادر خارجية إليه حتى يكون بؤرة استقطاب لعدد كبير من الشباب والكوادر بحيث يقضى عليهم ويسحقون في الوقت والمكان المناسبين.
- أنه حينما تقع المواجهة بين بعض الفصائل الإسلامية والأنظمة والجيوش العميلة فيجب على بقية الفصائل التريث ودراسة الأمر قبل تحديد موقف معين، حتى لايكون استدراج البعض طُعماً لجر بقية الفصائل من غير قناعة، وإنما تحت ضغط الأمر الواقع أو العاطفة الجياشة التي لا تقدر عواقب الأمور، وهذا ما نجحت فيه بعض الفصائل التي دعيت للمشاركة بعد وقوع المواجهة فكان موقفهم واعياً فوت الفرصة على الأعداء، ومثال ذلك ما حصل من (عصبة الأنصار) في عين الحلوة والذين كان يمكن أن يزيد دخولهم من حجم الأزمة ويضاعف الخسائر على أهل السنة.
- أن من أعظم جوانب المناصرة للمجاهدين: (نصيحتهم وترشيد أعمالهم) فذلك يحفظهم من كثير من الشرور ويفوت الفرصة على أعدائهم المتربصين بهم، وماجرى أثناء الأحداث التي وقعت على (فتح الإسلام) من حماسة بعض الغيورين ودفعهم إخوانهم للمواجهة ليس من النصح في شيء، لأنها معركة محسومة قبل أن تبدأ، فماذا يمكن أن يفعل بعض مئات من المحاصرين في بقعة صغيرة من الأرض في مواجهة جيش مدجج بالأسلحة ومدعوم من الدول الإقليمية والعالمية بكل أنواع الدعم. إنها مسألة وقت فحسب، والإسلام لا يغفل ميزان القوى، كما أن الشريعة تأمر بالأخذ بالأسباب، وفق المفهوم الشرعي الذي يعتبر الاعتماد على الأسباب نقص، والأعراض عن الأسباب نقص كذلك. ثم أين الذين كانوا يحرضون الشباب على المواجهة ويدفعونهم إليها دفعاً بعدما حصل كل ذلك؟
- أثبتت الأحداث أن بعض المجاهدين ينقصه الوعي السياسي والأمني مما يتسبب في وقوع خسائر فادحة، وأن الإخلاص والاستعداد للتضحية صفتان لاتكفيان لتحقيق النصر وبلوغ الهدف المؤمل.
- أن على أولئك الشباب العاشقين للجهاد والمستعدين للتضحية، ممن يتوافدون على أي منطقة يكون فيها فرصة للقتال والاستشهاد أن يستفيدوا من هذا الدرس وأن لا يكونوا وقودا لتيارات أو دول ضد أخرى، وأن لا يكونوا قرابين تقدمها الاستخبارات لأسيادها، وأن سلامة النيات غير كافية لصحة العمل وسلامته، بل لابد من المراجعة المستمرة و التأكد أن مايقدم عليه الشباب هو جهاد في سبيل الله، ويحقق نصرا لدين الله، وفق الهدي النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم.
- حين نقول بأن الشباب استدرجوا للمواجهة مع الجيش اللبناني ولم يخططوا لها فهذا لا يعفيهم من المسؤولية تجاه ماحدث، إذ كيف يعطون العدو الفرصة لاستدراجهم لمواجهة لم يريدوها ولم يحسبوا حسابها؟ وقيادة العمل يجب عليها حماية العمل من كل مايضره، ومن أعظم ذلك: حرف مساره عن وجهته الأصلية وإبعاده عن تحقيق أهدافه. وكيد العدو ومكره ليس عذرا للوقوع في الفخ.
- كان على قيادات الجهاد ذات القبول الواسع لدى هؤلاء الشباب المسارعين لتلك المواقع واجب كبير في بيان رأيهم في تلك الأحداث ونصح الشباب، وفي السكوت خيانة لهم وتسبب في إيرادهم موارد الهلكة، وبحسب علمي فإن القيادات الكبرى في القاعدة لم تعلق بشيء وكأن شيئاً لم يقع! في الوقت الذي يعلقون فيه على أحداث أقل أهمية من هذا الحدث، باستثناء ماكان من قاعدة الجهاد في بلاد الشام التي هددت بتفجير الوضع في لبنان مالم يفك الحصار عن المخيم.
- يجب على العلماء والدعاة أن لا تدفعهم مثل هذه الأحداث للوقوف ضد الجهاد المشروع، وإن كان ثمة موقف يسجل في مثل تلك الأحداث فيجب أن يكون الحديث بعلم وعدل، بحيث ينتقد الخطأ، ويوضع في حجمه الطبيعي، ويكون الحديث على سبيل النصح والتسديد لا على سبيل التشفي والمعاداة، وأن يتم تبيين حال الأعداء وخطرهم على الأمة، وأن لايحدث الانشغال بأخطاء الشباب عن إدراك الخطر الحقيقي، وأن لايكونوا – أي العلماء والدعاة – أبواقاُ للإعلام المعادي للأمة.
- على العلماء والدعاة مسؤولية كبيرة في نصح هؤلاء الشباب وتحذيرهم وبيان مزالق الطريق التي قد يتعرضون لها من خلال رغبتهم في أداء فريضة الجهاد والحرص على الشهادة في سبيل الله.
ويلاحظ في هذا السياق أن عامة العلماء والدعاة قد انصرفوا عن العناية بميادين الجهاد وترشيده وتسديد القائمين عليه، فعليهم أن يتقوا الله في المسئوليات التي تحملوها حين أتاهم الله العلم وسخرهم في سبيل الدعوة.
وأخشى أن يكون على العلماء والدعاة كفل من الدماء التي أريقت والنفوس التي ابتليت والأضرار الفادحة التي وقعت لقاء تفريطهم في النصح والترشيد الذي هم أهله وأولى به.
- أنصح الإخوة الذين تسببوا في هذه الأحداث ودفعوا بالشباب إلى لبنان بحجة وجود فرصة للتدريب الآمن، أو بحجة الإعداد لفتح الطريق إلى فلسطين، سواء كانوا محرضين أو منسقين أو داعمين، أنصحهم بأن يراجعوا أنفسهم ويعلموا مسؤوليتهم عن الدماء التي أريقت، والنفوس التي أسرت، والدمار الهائل الذي حصل، وليعلموا أن التنصل وعدم معرفة الناس بحقيقة مواقفهم لن ينجيهم من المؤاخذة بين يدي العليم الخبير، فليتوبوا إلى الله ويصلحوا ما أمكنهم ذلك، وليستفيدوا من هذا الدرس القاسي، فإن هذا أنجى لهم بين يدي الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد



تم تحريره في 15 شوال 1428 هـ

بين يدي المدونة

* نؤمن بمشروعية الجهاد، وضرورته، وحاجة الأمة إليه في هذا العصر وفي كل عصر، وأنه سبب لحفظ بيضتها وحماية مقدساتها. * نرى أن من عوامل نجاح الجهاد وتحقيقه لأهدافه : السعي في ترشيده وتسديد القائمين عليه، وأن النقد الهادف لصالح الجهاد وليس ضده. * نهدف إلى حماية المشروع الجهادي من التشويه، والذب عن أعراض القائمين عليه.