وقفات مع كلمة الشيخ أسامة التي بعنوان ( إلى أهلنا بالعراق)



بسم الله الرحمن الرحيم

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)

استمعت إلى كلمة الشيخ أسامة ابن لادن المعنونة بـ(إلى أهلنا بالعراق)، وقرأت بعض ماكتب حولها من تعليقات وتحليلات من قبل الأصدقاء والأعداء على حد سواء، فأحببت المشاركة في ذلك لعلي أن أضيف جديداً وأوضح بعض الحيثيات المهمة في هذا الخطاب.
وقد قسمت المقال إلى جوانب ثلاثة : الجانب الأول : ملامح عامة للخطاب، والجانب الثاني : المعاني الإيجابية في الخطاب، والجانب الثالث : الملاحظات على الخطاب .
فأبدأ مستعينا بالله فأقول :


( أولاً ) : ملامح عامة للخطاب :


1- الخطاب كتب بلغة متينة وعبارات جميلة وسبك أدبي رفيع، يجعل القارئ والمستمع يتذوق العبارات ويتأثر بها ويتفاعل معها.
2- الخطاب يسمي المجاهدين المنتسبين لدولة العراق الإسلامية بـ( تنظيم القاعدة) ولايشير مطلقاً لاسم الدولة ، وهو ماقد يفهم منه عدم تأييده لإعلان الدولة، أوقد يكون ظهر للشيخ أن إعلان الدولة قد كان سببا في زيادة الفرقة وحصول الاقتتال بين المجاهدين، وهذا من الفقه في التعامل مع الأزمة العراقية .
3- استخدم الخطاب مصطلح (العمليات الفدائية) بشكل متكرر، مما قد يفهم منه تحفظه على بعض صور الأداء لتلك العمليات مما يجعلها لا تستحق أن تسمى (عمليات استشهادية)! أو أن للشيخ تحفظاً شرعياً على مصطلح (الاستشهادية) ابتداءً ، ولم يترجح لدي شيء من هذين الاحتمالين .
4- جاء الخطاب بمثابة طوق نجاة لما تعانيه القاعدة في العراق، وبخاصة بعد الانسحاب من أكبر مراكز نفوذهم في الأنبار، ومايتعرضون له في ديالي التي تلي الأنبار في حجم النفوذ، وذلك على يد العشائر، ولهذا كان التركيز في الخطاب على العشائر والثناء عليهم ودعوتهم لمواجهة الاحتلال وعدم السير في ركابه، ومما يؤكد ذلك أيضا دعوة الشباب للنفير إلى العراق، وكأن العمل يمر بمرحلة انحسار في الوقت الراهن.
5- ظهر في الخطاب أثر ردة الفعل بشكل واضح، وكأنها فرضت نفسها على الشيخ ليخرج عن مسار الحديث، وذلك حين شدد في التحذير من علماء السعودية! وكأنها ردة فعل للرسالة الشفهية التي وجهها الشيخ سلمان العودة للشيخ أسامة، أوردة فعل على بيان مفتي السعودية حول الجهاد، ومع تحفظنا على بعض ما ورد في كلمة الشيخ سلمان وبيان المفتي المشار إليهما إلا أن ردة الفعل ليس هذا موضعها في خطاب عام قصد منه جمع كلمة المجاهدين في العراق.
6- أعتقد أن الخطاب جاء متأخراً في موضوعه، وقد تكررت النداءات والمطالبات للشيخ بالتدخل لوضع حد لما يجري في العراق، وذلك من قبل الكثير من القيادات ادخل العراق أو من يعنيهم الشأن العراقي من الخارج، ويبدو أن الشيخ لم يشعر بأهمية تلك النداءات حتى رأى الأثر السلبي لتلك التجاوزات على أرض الواقع، حين أصبحت الفرقة تهدد مستقبل الجهاد وتلقي بحبل النجاة للمحتل الأمريكي للخروج من المأزق العراقي.
وأظن أن الشيخ يعز عليه أن يطرح ما طرحه بشكل علني، لكنها الشجاعة في الحق من ناحية والشعور بالحاجة الملحة والضرورة لمثل هذا النداء من ناحية أخرى.
والملاحظ أن هذا النداء بالاجتماع ونبذ الفرقة لقي ترحيبا عاما وفرحا غامرا من الجميع، سواء ممن كان في الميدان أو من يراقب الوضع من خارجه، بل شمل ذلك الفصائل التي تضررت بتلك التجاوزات وأكسبتها عداء للقاعدة، إذ رحبت هي الأخرى بهذه الدعوة وأعلنت تقبلها لهذا الطرح مما يبعث على التفاؤل في إمكانية حصول الاجتماع بين الفصائل المجاهدة وأن ذلك مطلب مشترك، وهو ما يشجع أصحاب مشروع الإصلاح على المواصلة في جمع كلمة المجاهدين وأن ما يظهر من التباين والاقتتال يقف خلفه استعداد للتراجع والقبول بالاجتماع .
ولم يشرق بذلك إلا بعض أولئك المشبوهين من الكتاب الذين أفزعهم هذا الطرح، وخشوا أن يكون مؤذناً بانتهاء التجاوزات والأخطاء، ومن ثم حصول الاتفاق والائتلاف وزيادة اللحمة بين فصائل المجاهدين فراحوا يؤكدون أن ابن لادن لم يقصد الاعتراف بالخطأ حيث أن أخطاء القاعدة لا تعدو أن تكون من الطبيعة البشرية التي لا يسلم منها أحد – وذلك في تسويغ ماكر للاستمرار في الخطأ وعدم المراجعة – والزعم بأنه لا يمكن الالتقاء بين فصائل المجاهدين لما بينها من التباين، وقد أخذ أولئك في إثارة الفتن ومواطن الخلاف والتذكير بها وتعداد الوقائع والتجاوزات التي وقعت من كل الأطراف، مؤكدة أنه يستحيل اللقاء، مستعيدين بذلك طريقة اليهودي " شأس بن قيس" الذي مر على الأوس والخزرج وقد أسلموا واجتمعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فغاظه ذلك وأخذ يذكر بعضا من الأبيات التي قيلت في يوم بعاث – وهو يوم من أيام القتال بين الأوس والخزرج في الجاهلية – ليوقد الفتنة ويؤجج الصراع وقد أوشك أن يحقق مراده لولا تدخل الرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد كتب أحدهم بروح قلقة ونفس مضطربة مؤكدا أن هذه الكلمة لا تحمل أي تراجع أو اعتراف بالخطأ وأنها لم تأت بجديد على ما يقوله ويكرره البغدادي و أبوحمزة المهاجر ، وأن على الفصائل الأخرى أن لا يفرحوا بهذه الكلمة فالقاعدة على منهجها لم تتغير ولم تتراجع.
ولا ينقطع عجبي من هذه المقولة ، فلم كل هذا القلق والاندفاع والخوف من أن تحقق الكلمة أهدفها بالاجتماع ، وأن يوقف الله بها نزيف الدم بين المجاهدين على أرض العراق؟ ومن الخاسر في حال تحقق الوفاق والصلح؟ ولصالح من استمرار هذا الاقتتال والاحتراب الداخلي بينهم؟
والأعجب من ذلك تلقف بعض أبناء التيار الجهادي وبخاصة من أنصار القاعدة لأمثال هذه المقولات بالقبول والحماس له، والغفلة عما يحمله هذا التوجه المشبوه من مخاطر على مستقبل الجهاد في العراق، وعلى مستقبل القاعدة بالذات، حيث أن أولئك الكتاب يريدون أن يجهضوا –بمقالاتهم تلك- أحد أهم المشاريع التي طرحها الشيخ، ألا وهو (مشروع الدعوة إلى الاجتماع والوحدة)(1).
وأي عيب في الاعتراف بالخطأ وإعلان التراجع عنه، ودعوة الجميع لتجاوز الخلافات ونبذ التعصب والحزبية والوصية بالاجتماع على الحق.
إنها دعوة الأنبياء والمصلحين على مدار التاريخ لا يرفضها ويأباها إلا من في قلبه مرض وغش للمسلمين.
وما أجمل قول الشيخ (وينبغي على أهل الفضل والعلم الصادقين أن يبذلوا جهودهم لتوحيد صفوف المجاهدين وأن لا يملوا في السير إلى الطريق الموصل إلى ذلك)
وقوله (ولا مجال للصراع بين المسلمين المستسلمين حقاً لأمر الله تعالى ولأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم)
وقوله (وينبغي على العلماء وأمراء المجاهدين وشيوخ العشائر أن يبذلوا جهدهم بين كل طائفتين تختلفان)
وعلى الإخوة المجاهدين أن ينتبهوا إلى من يريد الفرقة وإشعال فتيل الصراع لابد وأن يظهر لهم في صورة الناصح بل المؤيد الداعم وأن يقدم في سبيل ذلك قرابين من مقالات الإطراء والتأييد والدفع باتجاه التوتر وتعزيز الاحتقان بين إخوة الجهاد .
وأعتقد أنه لن يتصدى لدفع ثمن الوقوف مع التيار الجهادي إلا من كان من أبنائه المخلصين المضحين، وأما ما عداهم فيجب التوقف في شأنهم وعدم المسارعة إلى قبول ما يطرحونه أو الانسياق معه حتى يتأكد من تاريخ أولئك الكتاب وصدق ولائهم.


( ثانياً ) : المعاني الإيجابية في الخطاب :


* الاعتراف بالخطأ والدعوة إلى تصحيحه، وهذا وإن كان صدمة لبعض المحبين الذين يعتقدون عصمة القاعدة من الخطأ وأنه على فرض حصوله فلا يحل ذكره أو التنويه عنه واعتبار التصريح بتلك الأخطاء لوناً من ألوان الخيانة والوقوف في صف العدو! مما قد يلقي بصاحبه في مهاوي الردى والجحيم، ويجعله مستحقاً للتصفية والإزاحة من طريق المجاهدين أوالتشغيب عليهم. وقد بين الشيخ المنحى الشرعي في التعامل مع أخطاء المجاهدين، وأنهم يخطئون كغيرهم ويناصحون كغيرهم ولايمكن تحميل فريضة الجهاد أخطاء الأفراد وتجاوزاتهم .
* الثناء على أهل العراق والعشائر منهم خاصة، وهذا أمر حسن من أجل تصفية النفوس وتأليف القلوب وتفويت الفرصة على الأعداء الذين يريدون توظيف العشائر في ضرب المجاهدين .
* الدعوة إلى الاجتماع والائتلاف وحل الخلافات بين المجاهدين من خلال المرجعية الشرعية والقضاء الشرعي .
التأكيد على أن المرجعية هي الكتاب والسنة .
* الدعوة إلى نبذ التعصب للأحزاب والجماعات والقادة والرجال، وهو أمر قد يستعصي فهمه أو قبوله على بعض محبي الشيخ والقاعدة لأنهم يعتقدون أن الحق معلق بهم ولا يمكن أن يجاوزهم إلى غيرهم مما قد يجعلهم يصرفون الخطاب على غير مقصوده، ويظنون أنه موجه لسائر الجماعات سوى القاعدة .
* تنبيه المجاهدين إلى أهمية إتقان العمل.
* التحذير من الاختراق والتحذير من المنافقين الذين يثيرون الفتن، وهذه مهمة جداً في الأجواء العراقية المليئة بصور الاختراق، والتي تسببت في خسائر فادحة دفع ثمنها المجاهدون من "القاعدة" وغيرها.
* التفاؤل بعز الإسلام ونصره مع أن المعطيات المحيطة تدعو إلى الإحباط واليأس، ولكن هذه صفة المؤمن الواثق بنصر الله وتحقق وعده، والذي يحسن ظنه بربه في كل وقت وحين.
وأرجو أن لايعود هذا التفاؤل بأثر سلبي يحمل بعض النفوس على التحليق في الخيال وعدم مراعاة سنن الله في التغيير ، أوالغفلة عن حجم التحديات التي تواجه العمل مما يجعل الشباب يتعامل معها بنوع من السذاجة المفرطة .


( ثالثاً ) : الملاحظات على الخطاب :


* انحراف الخطاب عن موضوعه الرئيس بالحديث حول موضوعات ليست في صلب الموضوع بل قد تشوش عليه ، مثل الحديث عن السودان والسعودية مما ليس هذا موضعه وقد يتسبب في عدم قبول الكلمة برمتها لكثرة المخالف للشيخ في هذه المسألة .
* تحدث الشيخ عن السعودية وعلمائها بلغة العموم التي لا تخدم الخطاب وتثير العديد من التساؤلات التي تشكل حرجا للشيخ، ومن ذلك :
o إذا فُهِمَ من الشيخ تحذيره من تدخل (السعودية) في العراق والدور الذي تؤديه هناك، فهل يخفى على أحد دور إيران وما تمارسه ضد أهل السنة؟ فأين الحديث عن الدور الإيراني؟ وأيهما أولى بالتحذير منه؟
o حذر الشيخ من التقاضي إلى علماء السوء عامة وخصص بلاد الحرمين، مع أن خطابه موجه لأهل العراق! أفليس الأولى أن يتم التحذير من التقاضي عند علماء السوء بعامة، وأن يكون التخصيص – إن كان ولابد – بذكر علماء المنطقة التي وجه إليها الخطاب، أو أن يسمي بقية الدول العربية أو الإسلامية، فليس لذلك التخصيص ما يبرره.
ولكن الذي يبدو لي: أن الخطاب – كما سبق – جاء كردة فعل على رسالة الشيخ سلمان العودة أو كلمة المفتي أو كلاهما، وبهذا يفهم هذا التحذير بشكل واضح، غير أنني أعتقد أنه لا يليق بمثل الشيخ أسامة وهو يدير عملاً عالمياً بهذا الحجم أن تصاغ خطاباته على أساس ردات الفعل التي لا تنتهي مبرراتها، فالمخالفون كثر والجوانب متعددة وظهور ردة الفعل تلك في خطاب عام أمر غير مناسب قطعاً .
كما أن النقمة على علماء الحرمين فيها قدر من التعميم الذي لا يخدم الخطاب، حيث اعتبر أن الأدهى والأمر أنهم – أي العلماء - يعتبرون طاغوت الرياض ولي أمر .
والعلماء الداخلون في هذا الوصف هم أوسع دائرة من العلماء الرسميين المقصودين بما ورد في خطاب الشيخ، ومن ضمن أولئك الأعلام الذي يرون حاكم الرياض ولي أمر شرعي أبرز أعلام أهل السنة في هذا العصر كأمثال الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله والشيخ ابن جبرين والبراك والرجحي وغيرهم .
وإن مما يقلق في ذلك أن الشيخ قد ختم تلك الجملة باستشهاده بقول الله تعالى ( هم العدو فاحذرهم) مما يوهم بأنه يعدهم من المنافقين!وهو وصف شرعي تتعلق به الكثير من الأحكام الدنيوية والأخروية .. فهل تتسع ذمة الشيخ لاعتبار كل من يرى أن حاكم لرياض ولي أمر داخلا في هذا الوصف، موصوماً بالنفاق ؟
o دعا الشيخ للخروج المسلح على السودان والسعودية وخلع حكامهما! ولا أدري هل يعني الشيخ بعبارته تلك مايقول حقاً؟ ولماذا هاتان الدولتان فقط؟ هل يرى الشيخ الحكم نفسه على المغرب وتونس وسوريا ومصر والأردن واليمن؟. أم أنها جاءت في سياق ردة الفعل وليست الدعوة إلى ذلك الخروج على ظاهرها.
وهل سيفهم الشباب المتلقفون لهذه الكلمات إن كانت تلك الدعوة مقصودة أم غير مقصودة ؟
ومن سيدفع ثمن الأخذ بهذه التوصية ؟ إذ أن مسألة الخروج والحث عليها أمر في غاية الخطورة، فيجب أن لا تكون مجرد إشارة عابرة في خطاب عام بهذا الشكل .
كما أنها – أي مسألة الحث على الخروج - مسألة كبيرة لها مابعدها ، فعلى فرض توفر الكفر البواح فإن هنالك شروطاً أخرى لابد منها ومن أهمها (الاستطاعة) التي ظهر بالتجربة الواقعية أنها غير متوافرة إطلاقاً، ولعل أثارها السلبية ستكون مدمرة على من قام بها وعلى بقية المجتمع، على دنيا الناس وأديانهم .
وهل يمكن اعتبار (الخروج) لافتة أخرى وشعاراً للعمل المسلح في أرض الحرمين بدلاً من لافتة وشعار (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) ؟
وهل ستتضرر الأنظمة بمثل هذا التحريض أم ستتخذه ذريعة لإطالة أمد احتجاز الموقوفين لديها و التشدد في التعامل معهم، والجرأة على إيقاع أكبر العقوبات بهم، وحشد الرأي العام وتأليبه ضد الجهاد وأهله .
إن المتضرر الأكبر من ذلك ليس الأنظمة، بل إنها – في الحقيقة - المستفيد الأكبر، ومما تجنيه تلك الأنظمة من مثل هذا التصريح :
o إعطاءها الفرصة والذريعة والمبرر للقضاء على التيار الجهادي بحجة أنه يحاول تغيير الأنظمة بالقوة .
o إعطاءها شهادة تزكية بكونها تحارب الإرهاب ، وهو ماجعل عدداً من الدول العربية التي كانت موصوفة برعايتها للإرهاب تنتقل إلى اعتبارها شريكا مهما وفاعلا في الحرب على الإرهاب !
وتساؤل مهم آخر :
هل تغير شيء أساسي في هذه الأنظمة بين المرحلة التي وقف الشيخ فيها أسامة مع هذه الأنظمة في خندق واحد ؟ فعمل معها أو أبدى استعداده لذلك ؟
باعتقادي أنه لم يتغير شيء مؤثر في الحكم عليها، حيث لم يختلف الوضع كثيراً إلا بزيادة في بعض مفرداته أو ظهورها بشكل أوضح، لكنها لم تكن خافية على الشيخ حين عرض على السعودية المساعدة في الدفاع عنها في مواجهة غزو صدام، ولاحين ألقى بثقله في دعم حكومة البشير والترابي .


كانت تلك جملة من الوقفات مع رسالة الشيخ، قصدت منها لفت النظر إلى الجوانب الإيجابية للاستفادة منها، والتنبيه إلى ماوقع في الرسالة من ملاحظات التي يجب التنبه لها، وعدم الانسياق ورائها، فالشيخ حبيب إلى قلوبنا، لكن الحق أحب إلينا، وهو ضالتنا أنّا وجدناها فنحن أولى بها .

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن الأمثلة على ذلك مقال للدكتور أكرم حجازي بعنوان (مهلكم! هذا خطاب نفير وليس كرسي اعتراف).

وقفات متأنية .. مع أحداث نهر البارد




بسم الله الرحمن الرحيم

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)

ابتداء من 20 مايو 2007م انشغل العالم كله والوسائل الإعلامية المختلفة ولبضعة أشهر بالأحداث في لبنان حين تفجرت الأوضاع في مخيم نهر البارد بين تنظيم فتح الإسلام والجيش اللبناني، ثم انتهت الأحداث بمقتل وأسر مايزيد على أربعمائة من فتح الإسلام، فضلاً عن مقتل العشرات من المدنيين الذين لاصلة لهم بأطراف النزاع، إضافة إلى تدمير كامل لمخيم نهر البارد، وتشريد أكثر من ثلاثين ألفاً من سكان المخيم الذي كانوا يعيشون تحت خط الفقر قبل مغادرته.
وأخذ الناس يخوضون – بعلم وبغير علم – في تحليل هذه الأحداث والتعليق عليها، وكثرت الآراء وتباينت المواقف، وتطلعت النفوس الصادقة لمعرفة الحقيقة في خضم هذا الكم الهائل من المقالات التي كتبت عن هذا الحدث، ومن هنا أحببت المشاركة لتجلية الصورة وإظهار الحقيقة من خلال التعريف بحركة فتح الإسلام، وأبرز أهدافها، والموقف الشرعي من الأحداث التي وقعت؟ وهل كان تصرف التنظيم صحيحاً أم خاطئاً...
وإن الباعث لهذا المقال عدة أمور :
- الخلط الحاصل في الكتابة حول هذه الأحداث وتحليلها وتباين الطرح وغلبة الخطأ وسوء الظن فيما كتب.
- التضليل الإعلامي الحاصل نتيجة لعلو الصوت الإعلامي لأحد الأطراف وغلبته على صوت الحق والحقيقة، حيث يملك الجيش اللبناني ومن وراءه إمكانات ضخمة لا يملك عشرها تنظيم فتح الإسلام.
- انسياق بعض العلماء والدعاة خلف الدعاية الإعلامية وتأثرهم بالتضليل الإعلامي في تعليقهم على الأحداث، وسوء ظنهم بالمشاركين فيها.
- الخسارة الفادحة التي مني بها أولئك الشباب الذين يحملون أرواحهم على أكفهم كلما سمعوا هيعة أو فزعة طاروا إليها يبتغون القتل مظانه، فقد صحت نياتهم – أحسبهم كذلك – غير أن صحة النوايا لاتستلزم بالضرورة صحة العمل .
- المحبة الكبيرة لتلك النفوس المجاهدة المتجردة لله، والتي تبتغي نصرة دين الله تعالى، والألم لما أصابها والخوف من تكرار هذه التجربة الأليمة التي تجرع أهل السنة مرارتها ، والخروج بدروس وعبر من هذه المحنة التي دفعنا ثمنها من دماء أبنائنا الطاهرة، ومن دموع وأحزان أهالينا ومعاناة نسائنا وأطفالنا..

* نشأة تنظيم فتح الإسلام:



يعتبر تنظيم (فتح الإسلام) تنظيماً منشقاَ عن (فتح الانتفاضة) والتي بدورها سبق أن انشقت عن (حركة فتح) الأم بقيادة ياسر عرفات.
فقد استطاع النظام السوري حين اختلف مع ياسر عرفات أن يشق المنظمة ويسحب عدداً من قياداتها الثورية لتشكل تنظيم جديد تحت مسمى: فتح الانتفاضة، واحتضن النظام السوري فتح الانتفاضة التي يغلب عليها الاتجاه اليساري وفتح لها مكاتب وقدم لها الدعم المادي والمعنوي.

* من هو شاكر العبسي ؟
يعتبر العقيد طيار/ شاكر العبسي أحد قيادات (فتح الانتفاضة) الفلسطينية.
وقد ولد شاكر الذي يحمل لقب "أبو حسين" في مخيم عين السلطان القريب من أريحا عام 1955، حيث لجأ والده وأقاربه للمخيم من بلدة الدوايمة في محافظة الخليل، حالهم كحال عشرات الآلاف ممن شردتهم النكبة عام 1948 من قراهم ومدنهم ليتحولوا لاجئين في وطنهم وخارجه فيما بعد.
ثم انتقل العبسي مع عائلته إلى مخيم الوحدات في العاصمة عمان بعد ذلك ليتابع دراسته إلى أن أنهى الثانوية العامة عام 1973، حيث قرر المغادرة لليبيا ليلتحق بصفوف الثورة الفلسطينية، وحصل على شهادة الطيران بعد ذلك، وبقي ضمن معسكرات حركة فتح في ليبيا حتى العام 1983عندما انضم للمنشقين عن فتح، والتحق بحركة "فتح الانتفاضة"، ثم انتقل مع غالبية التنظيم الذي كان موجودا في ليبيا إلى سوريا التي بقي فيها حتى العام 2006.
يقول ممثل حركة فتح الانتفاضة في الأردن "إبراهيم عجوة": (إن ملامح تغيير بدأت بالظهور على العبسي بالتحول نحو التدين في عقد التسعينيات، لكنه تحول طبيعي لم يكن يظهر أن الرجل يتحول خلاله لمنهج إسلامي أيديولوجي).
ويضيف عجوة: (إن ملامح الفكر الإسلامي الأيديولوجي ظهرت على العبسي نهاية عقد التسعينيات وبدايات القرن الجديد).
أما الملف الأمني لشاكر العبسي فقد بدأ بالظهور في العام 2002 عندما اعتقل في سوريا على خلفية أمنية وقضت محكمة ميدانية بسجنه ثلاث سنوات، وفي نفس العام كان العبسي يواجه تهما في الأردن بالضلوع في مخطط لاغتيال الدبلوماسي الأميركي لورانس فولي الذي اغتيل عام 2002.
الأهمية في التهمة الأردنية للعبسي هي الربط بينه وبين أبو مصعب الزرقاوي الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في العراق، إذ اتهم العبسي وفقا للائحة الاتهام تلك بأنه على علاقة مباشرة مع الزرقاوي ومطلوبين من تنظيم جند الشام المرتبط بالقاعدة، وحكم عليه بالإعدام غيابيا.
خرج العبسي من السجن السوري عام 2005 لينتقل إلى معسكر "حلوة" على الحدود مع البقاع اللبناني بالقرب من منطقة راشيا.
وتقول مصادر فلسطينية: إن خلافات عميقة ظهرت بين العبسي وقيادة فتح الانتفاضة، مما أدى بالرجل للانتقال إلى مخيم البداوي، حيث قاد انشقاقا ضد الحركة استولى خلاله على كافة قواعدها ومقارها في مخيمي البداوي ونهر البارد شمالي لبنان وبرج البراجنة قرب الضاحية الجنوبية لبيروت. (الجزيرة نت).

* الأهداف المعلنة لفتح الإسلام:
هناك مجموعة من الأهداف المعلنة لفتح الإسلام من خلال تصريحات المسئولين عنها في عدة مناسبات، أهمها:
· مواجهة القرار 1559 القاضي بنزع سلاح المليشيات الفلسطينية.
· الإصلاح الإسلامي لمجتمع المخيمات الفلسطينية في لبنان كي تتوافق مع الشريعة الإسلامية.
· تصحيح المقاومة الفلسطينية بحيث تكون تحت رايات جهادية واضحة المنطلقات لمواجهة إسرائيل.
· طرد الأمريكيين خارج الوطن العربي وإنهاء مصالحهم فيه.
· نصرة أهل السنة ضد الشيعة و تشكيل شوكة لأهل السنة في حال حدوث قتال طائفي في لبنان، ولما حصل لغط حول هذا الهدف أعلنت (فتح الإسلام) أنها لا تعتزم مواجهة حزب الله أو توجيه ضربات أمنية ضده، لكن التنظيم ينتقد الحزب لأنه يحتكر المقاومة ضد اليهود ويستأثر بمنطقة الحدود الجنوبية اللبنانية مع فلسطين.
ومن الأهداف غير المعلنة:
· تكوين مراكز تدريب للشباب الذين يرغبون الذهاب إلى العراق أو العمل لنصرة الدين في أي مكان.
· ضرب القوات الدولية في لبنان (اليونيفيل) وبخاصة في حالة حدوث فوضى في لبنان مما يهيئ للدخول إلى فلسطين.
كما أثير حول أهدافهم دعاوى هم منها براء وليس عليها دليل، مثل :
· أنهم يهدفون إلى إقامة خلافة إسلامية في الشمال اللبناني.
· أنهم يهدفون إلى قتال الجيش اللبناني الذي هو بين كافر ومرتد.

* أبرز التفسيرات لكيفية ظهور تنظيم (فتح الإسلام):
عند التأمل في نشأة هذا التنظيم والظروف التي مر بها وطبيعة العلاقة مع الأطراف المختلفة يمكن أن نتوصل إلى أن هناك مجموعة من الآراء التي تفسر ظهور هذا التنظيم، ومن أبرزها:
التفسير الأول :


أن فتح الإسلام صنيعة سورية استطاعت احتواء عدد من المجاهدين وتوظيفهم لتحقيق أهدافها، وأن التنظيم يدار بأيدي استخباراتية سورية وفلسطينية لتحقيق الأهداف المطلوبة، ولا يلزم من هذا أن يكون جميع الأفراد على علم بهذه العلاقة، لكن معنى ذلك أن سوريا هي التي زرعت هذه النبتة ورعتها ووجهتها لتحقيق أهدافها من خلالها، ودليل ذلك أن الأعمال التي قامت بها كلها تصب في مصلحة النظام السوري وتعتبر تنفيذا لتهديداته، وهو تفسير مستبعد لدي لما سيأتي من تفصيل.
التفسير الثاني :


أن فتح الإسلام تنظيم جهادي له أهدافه السامية، وقد أراد أن يستثمر الإمكانات السورية لتحقيق الأهداف المشتركة حيث تتقاطع المصالح ويتوحد الأعداء، فهما جميعاً ضد إسرائيل وأمريكا وعملائهما في المنطقة.
ومعنى هذا أن فتح الإسلام تتعامل أو تتعاون مع النظام السوري بوعي لتحقيق الأهداف المشتركة بينهما، وبهذا فإن فتح الإسلام لا يمكن أن تعمل في أي اتجاه يخالف منهجها حتى لو طلب منها السوريون ذلك، ويدرك السوريون أنها جماعة جهادية لكن لا مانع لديهم من الاستفادة منها لتحقيق بعض أهدافهم.
التفسير الثالث :


أن فتح الإسلام تنظيم جهادي ليس له أي علاقة مع النظام السوري إلا العداء، حيث سبق للنظام السوري أن اعتقل قائد التنظيم (شاكر العبسي)، وسبق أن قتلت سوريا أربعة من قيادات فتح الإسلام على الحدود مع العراق، وأن تباين الفكر والتوجه والولاء بين النظام السوري والتنظيم يؤكد ذلك، ويكون شاكر العبسي قد استطاع أن ينقلب على فتح الانتفاضة بعد أن استفاد منها في بناء تنظيمه وتدريب رجاله وإحكام سيطرته على فروع فتح الانتفاضة في المخيمات اللبنانية بحيث كان يخفي توجهه الحقيقي لحين حانت ساعة الصفر ليعلن عن إنشاء تنظيم فتح الإسلام، بحيث أن العبسي فضل أن ينسحب بعد تحقيق مكاسب دون أن يتم فصله قبل أن يحقق ما يريد، وأن يكون قد ساعده في ذلك (أبو خالد العملة) – الرجل الأول في فتح الانتفاضة - إما لقناعاته الثورية أو لقاء رشوة مالية كبيرة.

* تساؤل مهم: ما علاقة فتح الإسلام بالعراق ؟
للإجابة على هذا السؤال أقول بأن المراقب للأوضاع يدرك أن فتح الإسلام على علاقة وثيقة بقاعدة العراق تصل إلى أن تكون جزءاً تنظيمياً منها، ويدل على ذلك:
- العلاقة بين شاكر العبسي وأبي مصعب الزرقاوي، لدرجة أن شاكر من ضمن المتهمين في عملية مقتل الدبلوماسي الأمريكي التي أعدها ورتب لها أبو مصعب الزرقاوي.
- أن كوادر شاكر العبسي المشاركين في العراق يتبعون لتنظيم القاعدة في العراق وليسوا مستقلين أو مع جماعة أخرى.
- أن الكوادر الذين انضموا إلى فتح الإسلام في لبنان هم ممن أرسلوا من (القاعدة في العراق) للمشاركة في تكوين التنظيم، أو وجهوا مباشرة إلى سوريا ولبنان قبل وصولهم للعراق.
- التوافق الفكري بين التنظيمين.

* علامات استفهام حول تنظيم فتح الإسلام:
( وذكرها هنا من باب الاستقراء وليس بالضرورة أن تكون مقبولة لدى الكاتب، فليتنبه لذلك)
تثار على هذا التنظيم عدد من الاستفهامات التي تحمل على التشكيك في ولائه وأهدافه، ومن أهمها:
- كيف تحول "شاكر العبسي" مع مجموعة من كوادر فتح الانتفاضة -التي يغلب عليها التوجه اليساري- إلى اتجاه إسلامي بل وجهادي في يوم وليلة.
- كيف يمكن للنظام الباطني السوري أن يطلق سراح شاكر العبسي من غير شروط ولا تعهدات بعد أن اعتقله على ذمة قضية أمنية؟ وفي السجون السورية المئات ممن أمضوا عشرات السنين لمجرد الاشتباه ؟
- هل سيسمح النظام السوري بنشوء جماعات جهادية متطرفة لوجه الله تعالى من غير أن يكون له مصلحة من نشوئها أو علاقة بتوجيهها والاستفادة منها.
- بدأ شاكر العبسي بتدريب مجموعاته بمعسكرات (فتح الانتفاضة) التابعة لسوريا ومخيمات بيروت !
- استولى شاكر العبسي على مقرات فتح الانتفاضة وجميع مخازن الأسلحة ولم تعترض فتح الانتفاضة بل اكتفت بفصله من الحركة !
- الأعمال التي قامت بها فتح الإسلام كلها تصب في مصلحة النظام السوري وفي التوقيت الذي يناسبه.
- لايمكن لفتح الإسلام ولا لغيرها أن تعمل بهذا الحجم والانتشار في الساحة اللبنانية من دون دعم سوري أو جهة ذات ثقل كبير في لبنان .
- تصريحات وتهديدات الرئيس السوري بأن تشكيل المحكمة الدولية يعني نشوء حرب أهلية وفوضى في لبنان، فيا ترى من سينفذ هذا التهديد في الواقع؟ إن الذي حدث هو تفجير الأوضاع على يد فتح الإسلام !
- أغلب كوادر (فتح الإسلام) غير الشامية كانوا يحملون هويات سورية مزورة !
- تدفق الدعم بالمال والسلاح على فتح الإسلام بحيث استطاعت أن تجمع الأنصار وتحشد الأسلحة خلال فترة وجيزة وكأنها في سباق مع الزمن.
- معرفة الكاسب الأكبر والخاسر الأكبر من هذه الأحداث يوحي بمن يقف ورائها ( وسيأتي المزيد من تفصيل ذلك في الآثار المترتبة على الأحداث).
- التنسيق أو العلاقة الهادئة مع (فتح الانتفاضة) و(القيادة العامة) المواليتين لسوريا وتوترها مع (فتح أبي عمار).
- موقف الحزب (حزب الله) من فتح الإسلام وتحذير حسن نصر الله الجيش اللبناني من اقتحام المخيم!واعتباره خطاً أحمر.

* الآثار السلبية المترتبة على هذه الأحداث:
يؤسفني القول أن المستفيد الأكبر من هذه الأحداث هم الباطنيون والرافضة، وأن الخاسر الأكبر هم أهل السنة في لبنان عموماً والجماعات الإسلامية أو الجهادية بشكل خاص.
ومن ابرز تلك الآثار مايلي:
** إضعاف أهل السنة في لبنان من خلال:
o إعطاء ذريعة للحكومة اللبنانية لضرب التيار السلفي بتهمة أنه الحاضن لهذا التنظيم. o اعتقال عدد من رؤوس أهل السنة ورموزهم العلمية والجهادية والتضييق عليهم.
o كسر شوكة أهل السنة، واعتبار كافة المساعي لتقويتهم في محل الاتهام والشبهة.
o الخسارة الكبيرة بمقتل عدد من الكوادر الجهادية من أهل السنة واعتقال آخرين ينتظرون أحكاما قد تصل إلى الإعدام.
o كراهة أهل السنة للمجاهدين، وذلك لما ترتب على اجتهادهم من الأضرار و المفاسد فخسر المجاهدون عمقهم الاستراتيجي وهم عموم أهل السنة.
o تدمير مخيم نهر البارد بالكامل وتشريد أكثر من ثلاثين ألفاً ومقتل عدد من المدنيين الأبرياء.
o تعريض نساء وأطفال المجاهدين للابتزاز والأذى الحسي والمعنوي، وإن من يرى ماحصل من مشاهد تسليم نساء وأطفال المقاتلين من فتح الإسلام يصاب حزن وألم عميقين ويأسف لما وقع على أولئك النسوة من الأذى والنكال، حيث عاشوا أسابيع عديدة وهم يهربون من موقع لآخر، ويتعرضون لأنواع القصف، إني لأتعجب لهؤلاء الإخوة كيف لهم أن يقحموا نسائهم وأطفالهم في هذه المواجهة الخطيرة التي لايطيقونها؟ كيف لهم أن يعرضوهم لهذا البلاء العظيم والرعب الهائل؟ ألم يكن بإمكانهم حين اختاروا لأنفسهم خيار المواجهة أن يضعوا نسائهم وأطفالهم في مكان آمن بعيداً عن رحى الحرب التي لم يخلقوا لها ولا تستطيعها نفوسهم؟ ألم يكن بإمكانهم إخراجهم مع الثلاثين ألفاً من سكان المخيم الذين خرجوا منه على مدى شهرين وأكثر ؟
o إرباك الساحة السنية وزيادة شرخها واتساع الخلاف فيها، وهو الهدف الذي طالما سعى إليه حزب الله وبذل من أجله الأموال والجهود.
** ضرب المخيمات الفلسطينية:
o وهو هدف كبير لعدد من الأعداء وعلى رأسهم إسرائيل وأمريكا ثم الباطنية والرافضة (سوريا وحزب الله) الذين يصنفون القوى الفلسطينية بأنها شوكة سنية، وماجرى في لبنان ومايجري في العراق من قبل الرافضة يشهد بذلك.
o أعطت ذريعة لتأكيد مشروع نزع سلاح المنظمات الفلسطينية، ولطالما طالب الإسرائيليون والأمريكان وأذنابهم بـ(ضبط الأمن في المخيمات) من قبل الأمن اللبناني.
o حدوث شرخ كبير بين أهالي المخيمات الفلسطينية وعموم أهل السنة في لبنان بسبب الأحداث التي تتبادل الأطراف الاتهامات بالمسؤولية عنها.
o زيادة الفجوة بين التنظيمات الجهادية الفلسطينية والتنظيمات الجهادية الأخرى التي تقف خلف فتح الإسلام.ويظهر هذا من خلال موقف حماس وغيرها مما يجري في نهر البارد.
** تحقيق مكاسب للباطنية والرافضة:
o ماسبق ذكره من إضعاف أهل السنة وكسر شوكتهم وهم المنافس التقليدي للرافضة.
o أعطت الأحداث (حزب الله) فرصة للتنفس في ظل مشاغلة غيره للحكومة التي يعارضها.
o بات بوسع الحزب تنفيذ عمليات أمنية ضد أية أهداف وإلصاقها بفتح الإسلام.
o أصبح بإمكان الحزب التنصل من أي اتهامات حول الأحداث التي تقع في الساحة اللبنانية كضرب اليونيفيل وإطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات أو أي عمليات اغتيال و تفجير حيث يمكن أن تنسب لفتح الإسلام.
o استفادة النظام السوري من إرباك الساحة اللبنانية وإشغالها عن المحكمة الدولية.
o سعي النظام السوري لتصفية خصومه في ظل الفوضى والتوتر الأمني الذي كشف الأمن اللبناني وأضعفه.
o سهولة أن تنسب الأعمال التي يقوم بها النظام السوري في لبنان إلى فتح الإسلام أو القاعدة.
o تحقيق الاختراق السوري للتنظيمات الجهادية وتنفيذ بعض مشاريعه من خلالها.
ومن الآثار السلبية كذلك: إعطاء ذريعة لأمريكا والغرب للتدخل السافر والمباشر في لبنان بحجة محاربة الإرهاب.



* الموقف الشرعي من الأحداث:
من خلال تأمل ماسبق، والنظر فيه بعين التجرد والإنصاف، يتضح أن تصرف الإخوة في تنظيم (فتح الإسلام) كان تصرفاً خاطئاً بوضوح، فلم تكن الظروف مواتية إطلاقاً للقيام بعمل كهذا، وكانت نتائج العمل محسومة قبل بدايته، فالقوى غير متكافئة، والأوضاع المحلية والدولية لاتساعد إلا على قمع هذا التنظيم واستئصاله، وبهذا فإن العمل – من وجهة نظري – غير مشروع، وهو اجتهاد خاطئء، وسواءً كان الإخوة قد خططوا للقيام بهذا العمل ابتداءاً أو استدرجوا إلى ذلك دون أن يحسبوا له حساباً فإن هذا لايؤثر على النتيجة النهائية بتخطئة العمل وعدم تأييده، والتحذير من مغبة إثارة أعمال مشابهة في باقي المخيمات الفلسطينية داخل لبنان وخارجها.
ولعل المتابع للتصريحات والمواقف التي تبنتها عموم الجماعات الإسلامية في لبنان، دعوية كانت أو جهادية (كالجماعة الإسلامية اللبنانية، وتيار المستقلين، وعصبة الأنصار وغيرهم..) أو المواقف التي صرح بها العلماء والدعاة والمجاهدين هناك يرى اتفاقهم على تخطئة الإخوة في فتح الإسلام وتحميلهم تبعات هذه الأحداث وماترتب عليها من مفاسد وأضرار، وليس يستثنى من هذا الاتفاق سوى ماكان من (جند الشام) و(القاعدة في بلاد الشام) الذين ظهروا بمظهر التأييد وتوعدوا بالانتقام والقيام بأعمال مساندة، وهم في الحقيقة جزء من العمل وإن تعددت الأسماء.
وهؤلاء المتفقون على تخطئة العمل غير متهمين في مواقفهم، وهم من أعرف الناس بحال المنطقة ومايناسبها من العمل، وكون الإخوة في فتح الإسلام قد استدرجوا ووقعوا في الفخ الذي نصب لهم فإن ذلك لا يبرر عملهم ولا يستدل به على صحة اجتهادهم، بل إن ذلك مما يؤكد خطأ هذا الاجتهاد، وكان من الواجب عليهم سماع نصح الناصحين والحذر من كيد الأعداء ومكرهم.
وهذا – بطبيعة الحال – لا يعني إلغاء مفهوم الولاء والبراء، فلايدفعنا هذا الموقف إلى أن نوالي الجيش اللبناني، ولايعني أن نفرح بما أصاب إخواننا بل إننا على ما أصابهم لمحزونون موجوعون، ولم يحملنا على كتابة ماسبق سوى الرغبة في حقن دماء إخواننا والاتعاظ بما وقع وأن لا نلدغ من الجحر ذاته مرتين، وإلا فإن (فتح الإسلام) إخوتنا وهم – وإن أخطأوا – فإنهم أقرب وأحب إلينا من الجيش اللبناني، وإنما حديثنا هنا عن صواب العمل من خطئه.

* الدروس والتوصيات المستفادة من الحدث:
- عظم كيد العدو ومكره سواء من خلال الاختراق السوري وتوظيف المجاهدين لصالح مشروعه، أو من خلال الاستدراج اللبناني الذي نجح في جر الشباب لمواجهة غير متكافئة، وهذا يستدعي الحذر والاحتياط وعدم الاستعجال وأهمية التشاور مع أهل الخبرة والوعي وعدم الاستقلال بالرأي. فإن العدو قد يسعى لافتعال بؤر استقطاب لشباب الجهاد يتم تجميعهم فيها ثم يتم القضاء عليهم وأسر من يمكن منهم ثم جمع معلومات مهمة حول مراكز التوجيه ومصادر الدعم ونقاط القوة والضعف. وقد يكون سكوت الحكومة اللبنانية ومن ورائها أجهزة الاستخبارات العربية والأجنبية عن تنامي تنظيم فتح الإسلام وتوسعه وانضمام كوادر خارجية إليه حتى يكون بؤرة استقطاب لعدد كبير من الشباب والكوادر بحيث يقضى عليهم ويسحقون في الوقت والمكان المناسبين.
- أنه حينما تقع المواجهة بين بعض الفصائل الإسلامية والأنظمة والجيوش العميلة فيجب على بقية الفصائل التريث ودراسة الأمر قبل تحديد موقف معين، حتى لايكون استدراج البعض طُعماً لجر بقية الفصائل من غير قناعة، وإنما تحت ضغط الأمر الواقع أو العاطفة الجياشة التي لا تقدر عواقب الأمور، وهذا ما نجحت فيه بعض الفصائل التي دعيت للمشاركة بعد وقوع المواجهة فكان موقفهم واعياً فوت الفرصة على الأعداء، ومثال ذلك ما حصل من (عصبة الأنصار) في عين الحلوة والذين كان يمكن أن يزيد دخولهم من حجم الأزمة ويضاعف الخسائر على أهل السنة.
- أن من أعظم جوانب المناصرة للمجاهدين: (نصيحتهم وترشيد أعمالهم) فذلك يحفظهم من كثير من الشرور ويفوت الفرصة على أعدائهم المتربصين بهم، وماجرى أثناء الأحداث التي وقعت على (فتح الإسلام) من حماسة بعض الغيورين ودفعهم إخوانهم للمواجهة ليس من النصح في شيء، لأنها معركة محسومة قبل أن تبدأ، فماذا يمكن أن يفعل بعض مئات من المحاصرين في بقعة صغيرة من الأرض في مواجهة جيش مدجج بالأسلحة ومدعوم من الدول الإقليمية والعالمية بكل أنواع الدعم. إنها مسألة وقت فحسب، والإسلام لا يغفل ميزان القوى، كما أن الشريعة تأمر بالأخذ بالأسباب، وفق المفهوم الشرعي الذي يعتبر الاعتماد على الأسباب نقص، والأعراض عن الأسباب نقص كذلك. ثم أين الذين كانوا يحرضون الشباب على المواجهة ويدفعونهم إليها دفعاً بعدما حصل كل ذلك؟
- أثبتت الأحداث أن بعض المجاهدين ينقصه الوعي السياسي والأمني مما يتسبب في وقوع خسائر فادحة، وأن الإخلاص والاستعداد للتضحية صفتان لاتكفيان لتحقيق النصر وبلوغ الهدف المؤمل.
- أن على أولئك الشباب العاشقين للجهاد والمستعدين للتضحية، ممن يتوافدون على أي منطقة يكون فيها فرصة للقتال والاستشهاد أن يستفيدوا من هذا الدرس وأن لا يكونوا وقودا لتيارات أو دول ضد أخرى، وأن لا يكونوا قرابين تقدمها الاستخبارات لأسيادها، وأن سلامة النيات غير كافية لصحة العمل وسلامته، بل لابد من المراجعة المستمرة و التأكد أن مايقدم عليه الشباب هو جهاد في سبيل الله، ويحقق نصرا لدين الله، وفق الهدي النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم.
- حين نقول بأن الشباب استدرجوا للمواجهة مع الجيش اللبناني ولم يخططوا لها فهذا لا يعفيهم من المسؤولية تجاه ماحدث، إذ كيف يعطون العدو الفرصة لاستدراجهم لمواجهة لم يريدوها ولم يحسبوا حسابها؟ وقيادة العمل يجب عليها حماية العمل من كل مايضره، ومن أعظم ذلك: حرف مساره عن وجهته الأصلية وإبعاده عن تحقيق أهدافه. وكيد العدو ومكره ليس عذرا للوقوع في الفخ.
- كان على قيادات الجهاد ذات القبول الواسع لدى هؤلاء الشباب المسارعين لتلك المواقع واجب كبير في بيان رأيهم في تلك الأحداث ونصح الشباب، وفي السكوت خيانة لهم وتسبب في إيرادهم موارد الهلكة، وبحسب علمي فإن القيادات الكبرى في القاعدة لم تعلق بشيء وكأن شيئاً لم يقع! في الوقت الذي يعلقون فيه على أحداث أقل أهمية من هذا الحدث، باستثناء ماكان من قاعدة الجهاد في بلاد الشام التي هددت بتفجير الوضع في لبنان مالم يفك الحصار عن المخيم.
- يجب على العلماء والدعاة أن لا تدفعهم مثل هذه الأحداث للوقوف ضد الجهاد المشروع، وإن كان ثمة موقف يسجل في مثل تلك الأحداث فيجب أن يكون الحديث بعلم وعدل، بحيث ينتقد الخطأ، ويوضع في حجمه الطبيعي، ويكون الحديث على سبيل النصح والتسديد لا على سبيل التشفي والمعاداة، وأن يتم تبيين حال الأعداء وخطرهم على الأمة، وأن لايحدث الانشغال بأخطاء الشباب عن إدراك الخطر الحقيقي، وأن لايكونوا – أي العلماء والدعاة – أبواقاُ للإعلام المعادي للأمة.
- على العلماء والدعاة مسؤولية كبيرة في نصح هؤلاء الشباب وتحذيرهم وبيان مزالق الطريق التي قد يتعرضون لها من خلال رغبتهم في أداء فريضة الجهاد والحرص على الشهادة في سبيل الله.
ويلاحظ في هذا السياق أن عامة العلماء والدعاة قد انصرفوا عن العناية بميادين الجهاد وترشيده وتسديد القائمين عليه، فعليهم أن يتقوا الله في المسئوليات التي تحملوها حين أتاهم الله العلم وسخرهم في سبيل الدعوة.
وأخشى أن يكون على العلماء والدعاة كفل من الدماء التي أريقت والنفوس التي ابتليت والأضرار الفادحة التي وقعت لقاء تفريطهم في النصح والترشيد الذي هم أهله وأولى به.
- أنصح الإخوة الذين تسببوا في هذه الأحداث ودفعوا بالشباب إلى لبنان بحجة وجود فرصة للتدريب الآمن، أو بحجة الإعداد لفتح الطريق إلى فلسطين، سواء كانوا محرضين أو منسقين أو داعمين، أنصحهم بأن يراجعوا أنفسهم ويعلموا مسؤوليتهم عن الدماء التي أريقت، والنفوس التي أسرت، والدمار الهائل الذي حصل، وليعلموا أن التنصل وعدم معرفة الناس بحقيقة مواقفهم لن ينجيهم من المؤاخذة بين يدي العليم الخبير، فليتوبوا إلى الله ويصلحوا ما أمكنهم ذلك، وليستفيدوا من هذا الدرس القاسي، فإن هذا أنجى لهم بين يدي الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد



تم تحريره في 15 شوال 1428 هـ

قراءة في الخطاب الجديد للشيخ أسامة بن لادن

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)
* جاء خطاب الشيخ أسامة بن لادن بعد انقطاع طويل، كثر بموجبه التشكيك والتخرصات بحال الشيخ وصحته، فكان خروجه قاطعاً للجدل حول وضعه. كما جاء خطابه ضربة موجعة لخصومه، ظهر بها حجم الفشل لكل مشاريع تعقبه، ومحاولة القبض عليه أو قتله حتى أدى بهم ذلك إلى الأماني بأن يكون المرض قد قضى عليه، وأراحهم من هذه المشكلة المستعصية. كما جاء خروجه ليغمر محبيه بالفرح والاستبشار وعودة الأمل بعد أن كاد القلق بشأنه أن يقضي على آمال الكثيرين منهم، وقد بلغ بهم الإرجاف كل مبلغ، فبعث الخطاب فيهم الحماس من جديد، وتجدد لهم النشاط لمواصلة الجهاد وتأييد المجاهدين.

* يوجد بالتسجيل ملاحظة فنية، وهي أن الصورة المتحركة لا تزيد عن ثلاث دقائق أما باقي التسجيل فصوت مستمر مع صورة ثابتة ، مما يثير عددا من التساؤلات حول سبب ذلك والمقصود به، والذي أراه أن ما حصل في الشريط لا يعدو أن يكون خللاً فنيا في التسجيل ولا يحمل أي دلالة أكثر من ذلك.

* يلاحظ على الخطاب هدوءه وسكينته، حيث يخلو من أسلوب التهديد أو التعنيف الذي تميز به أسلوب د.أيمن الظواهري مما يعطي نفساً عاما بالفرق بين الرجلين.

* حمل الخطاب عدداً من الرسائل ومن أهمها:

- دعوة الشعب الأمريكي إلى الإسلام وبيان الحق الذي حرص الإعلام الأمريكي على تشويهه، وبيان محاسن الدين الإسلامي وموقفه من النصرانية ومن عيسى عليه السلام وأمه.

- نقد القيادة الأمريكية وأن الشعب الأمريكي والجيش بصفة خاصة يدفع ثمن مغامرة قيادته التي تسعى لتحقيق مصالح الشركات الكبرى التي تتاجر براحة الشعب الأمريكي وأمنه ورخائه.

- يحمل الخطاب طابع التهدئة مع كل الفئات ، حتى الحديث عن الحكام جاء بعبارة لينة.

- بعث الخطاب برسالة تطمين صريحة لغير المعتدين من اليهود والنصارى في البلاد الإسلامية، وإذا كان ذلك كذلك، فإن الخطاب يتضمن - من باب أولى- رسالة تطمين للشعوب الإسلامية بأن الضرر والرعب لن يأتي من قبله.

- يوجه الخطاب رسالة واضحة للشباب الذين يتبنون تيار العنف في البلاد الإسلامية بالتهدئة والبعد عن الإضرار بالآخرين لأن الدين الإسلامي دين الرحمة والعدل يرفض الاعتداء، بل هو ملاذ المظلومين والمضطهدين من أصحاب الديانات الأخرى كما حصل مع اليهود الأسبان الذين جاءوا إلى المغرب هرباً من بطش محاكم التفتيش النصرانية.

* وهنا يتبادر سؤال مهم: ما سبب اختلاف طرح الشيخ في هذا الخطاب عن خطاباته السابقة التي يظهر فيها والسلاح بجواره، حيث لا تخلو تلك الخطابات من عبارات التهديد والوعيد؟.

وللإجابة على ذلك السؤال أقول :

يبدو لي أن هذا الخطاب جاء منسجما مع طبيعة الشيخ وطريقة تفكيره، فعبَّر عن رؤيته بشكل واضح وجلي حين أصبح في جوٍ هادئٍ بعيداً عن المؤثرات التي قد تدفعه لعبارات وأطروحات لا تتلائم مع قناعاته وطبيعته المعروفة عنه. كما أن ذلك قد يكون استجابة لنصح الناصحين الذين بعثوا له نداءات متعددة ممن يعرفهم ويحسن الظن بهم.

ويبدو لي أن من أهداف الخطاب الجديد للشيخ : تصحيح ما وقع من أخطاء في الخطاب الإعلامي للقاعدة، حيث نجح العدو في استثمار الأداء الإعلامي للقاعدة - وبخاصة في العراق- من أجل تشويه صورة الإسلام بشكل عام والجهاد بشكل خاص في العالم أجمع، فجاء خطاب الشيخ ليعرض محاسن الإسلام والجهاد وينفي الظلم والاعتداء، ويذكر بأن الإرهاب صفة الكفار، وأن ما يقع من المجاهدين إنما هو من باب دفع الظلم، فنحن أمة تأبى الضيم.

ولهذا : أدعو الإخوة من محبي الشيخ ومؤيديه إلى أن يستجيبوا للرسائل التي أراد الشيخ إيصالها إليهم ، وأن يسلكوا مسلكه في التهدئة، فهاهو لم يشتم أحداً ولم يجازف بإطلاق الردة والتكفير هنا وهناك، كما أنه لم يعط الإعلام المعادي أي فرصة لاستثمار أطروحاته في تشويه صورة الإسلام والجهاد.

ولاشك أن تبني أعمال العنف التي تجري داخل البلاد الإسلامية لا يتناسب مع طرح الشيخ في هذا الخطاب، وحتى لو لم يكن في الخطاب نقد صريح لتلك الأعمال فإن تلك الإشارة تهدف إلى منع أعداء الإسلام من استثمار ذلك في النيل من المجاهدين، فأرسل تلك الرسائل إليهم بشكل غير مباشر. فهل يحظى المسلمون في البلاد الإسلامية بتطمينات من قبل الشباب على نحو من هذا التطمين الذي أعطاه الشيخ ليهود المغرب وأقباط مصر؟

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.

وصلى الله على نبينا محمد

تم تحريره في 3 رمضان 1428 هـ

نصيحة لكتاب التيار الجهادي

( أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه )

من المتقرر لدى المهتمين بالشأن الإسلامي عموماً، وبالشأن الجهادي بشكل خاص أهمية الإعلام ودوره في التأثير على قناعات الناس، وأن الصراع مع الأعداء لا يقتصر على القتال وأن (الحرب الإعلامية) لا تقل أهمية عن الحرب العسكرية، ولهذا اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بالجانب الإعلامي في الحرب ووظف الطاقات المتاحة في عصره لمواجهة إعلام الأعداء.والإعلام في هذا العصر - مع التطور التقني - أصبح أكبر تأثيراً من ذي قبل، وقد سعى العدو إلى توظيفه في حربه ضد المسلمين بشكل كبير، ونجح في ذلك – وللأسف – حيث مارس نشاطه في صفوف المسلمين ممن يعدهم المجاهدون ليكونوا خطهم الخلفي وعمقهم الاستراتيجي، وأدى النجاح الإعلامي للعدو إلى تشويه صورة المجاهدين والجهاد بعامة في نفوس كثير من المسلمين، فلم يسلم المجاهدون من ألسنة عامة المسلمين فكيف يتوقع منهم أن يكونوا أنصاراً للجهاد.ومن أجل مواجهة هذه الحرب الإعلامية فلابد من العمل على عدة محاور، وأن تتظافر على ذلك جميع الطاقات الجهادية كل في ميدانه.وحيث أن ميدان (الانترنت) من الميادين المهمة في الإعلام المعاصر فإن هذه المقالة موجهة إلى هذا الجانب تحديداً، وهنالك جوانب أخرى كثيرة ومهمة من الحرب الإعلامية يمكن مناقشتها في مقالات لاحقة.ولاشك عندي أن التيار الجهادي قد استثمر شبكة الانترنت استثماراً كبيراً واستفاد منها في تسويق مشروعه الجهادي، وجلب الأنصار والدعم لصالحه، ومع ذلك فإن بالإمكان تطوير أداء المجاهدين على الشبكة، ورفع مستوى التأثير لكتاباتهم، وتوسيع دائرة الاستقطاب والتوظيف لطاقات الأمة، ولهذا كتبت هذه المقالة التي تصب في تطوير الأداء وهي تحمل مجموعة نصائح لكتاب التيار الجهادي، أرجو أن يتأملها الإخوة وينتفعوا بما فيها، ويمعنوا فيها النظر .وإليك – أخي الكاتب الجهادي – هذه الوصايا والملاحظات :
أولا:
الثقة بنصر الله وتحقيق وعده للمؤمنين، فالنصر أشمل من أن يكون في ميدان القتال فحسب، فكل ميادين المواجهة مع العدو يترقب فيها المؤمن نصر الله ومعونته حيث يعلم أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، وقد قال الله تعالى : (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وقال سبحانه : (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وقال : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) هذه النصوص وغيرها تكسب المؤمن ثقة بنصر الله مع قلة الإمكانات وضعف الطاقات مقارنة بما يملكه العدو، وليس على المؤمن إلا بذل الجهد والوسع والطاقة وفق ما أمر الله، أما النجاح وتحقق النتائج فذلك موكول إلى الله سبحانه.
ثانياً :
تحمل مسؤولية وأمانة الكلمة التي يكتبها، وأهمية المراقبة لله تعالى في كل حرف تخطه يداه، وأن يتأكد من تحقيقه لمقصود الشرع الحنيف، فصلاح النية وحده ليس كافيا، إذ لابد من تجنب الانتصار للنفس وترك اتباع الهوى، ولابد مع ذلك كله من صلاح العمل وموافقته للشرع، ولابد أن يدرك الكاتب أنه بما يكتبه من مقالات وردود يمثل اتجاها مهما في الأمة (الاتجاه الجهادي) وأنه قد يحسن إلى ذلك الاتجاه أو يسيء وفق ما يكتبه من موضوعات، وليعلم أن بعض الكتابات المنسوبة لأبناء هذا الاتجاه تعطي انطباعاً سلبياً عن الجهاد، ووصف أصحابه بالحدة والعنف وعدم التروي وسرعة تنزيل الأحكام من غير روية أو دليل. ولاشك أن حسن الأداء، ودقة النقل، والصدق، من أسباب تحصيل المصداقية والقبول لدى القراء، ولا ينبغي أن يكون التخفي خلف المعرفات المجهولة سبباً في تناسي الكاتب (مسؤولية الكلمة)، أو الغفلة عن مراقبة العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافيه في الأرض ولا في السماء.
ثالثاً :
الاهتمام بجمع كلمة المجاهدين، وبث ثقافة الوحدة والاجتماع، وعدم إتاحة الفرصة لدعاة الفرقة والمتحزبين من الأعداء أو المحبين. وكثيراً ما يؤتى العمل من قبل المحب المتحمس الذي لا يقدّر عواقب ما يقوم به من هجوم على إخوانه لمجرد المخالفة وهو يظن بذلك أنه يحسن صنعاً، و لو تقرر لدينا أن النصر المنشود لا يمكن أن يتحقق على يد طائفة واحدة من طوائف المجاهدين، بل ولا بالمجاهدين وحدهم بعيداً عن العلماء والمختصين في السياسة والاقتصاد والإعلام، بل وعموم المسلمين، لو تقرر لدينا ذلك لغلّبنا جانب جمع الكلمة وتوحيد الصف على الانتصار لطائفة أو التحزب لجماعة.
رابعاً :
الحذر من الاختراق الأمني والفكري.
أما الاختراق الأمني : فإنه قد يحصل بوجود بعض الكتاب الذين يعملون لصالح جهات استخباراتية ولكنهم يكتبون بما ظاهره تأييد التيار الجهادي وحقيقته تشويه صورة الجهاد، من خلال الكتابات المتطرفة التي تعطي الانطباع السيئ عن هذا التيار، وتنفر الناس من حوله، ومن خلال السعي للتفريق بين الفصائل الجهادية، وإثارة الشبه حول بعض القيادات في العمل الجهادي، وإحداث الفجوة بين العلماء والمجاهدين...، إلى غير ذلك مما يجب أن يكون المجاهدون على حذر منه، ويجب أن ندرك أنه لا يمكن للاستخبارات العربية والأجنبية أن تقف من المنتديات الحوارية والمواقع الجهادية موقف المتفرج، وأن العدو لا يكشر عن أنيابه دوماً، بل قد يظهر في صورة الموافق ليحقق أهدافاً أكبر وأخطر، وليتأمل القارئ الكريم عدم تعرض كثير من المواقع للإغلاق والإلغاء من قبل الأعداء مع قدرتهم على ذلك، مما يوحي بأنهم يحققون من ورائها مكاسب تستحق الإبقاء عليها مع ما ينالهم منها من المفاسد. وأما الاختراق الفكري : فذلك حين يكتب بعض أبناء التيار الجهادي من قليلي العلم، ويخوضون فيما لا يحسنون من أبواب (التكفير) و(الحكم على المخالف) وغير ذلك، فينشر الغلو والفكر المنحرف داخل التيار، مما يحرفه عن مساره، ويحرمه توفيق الله ونصره، ويكون سبباً في الخذلان.
خامساً :
الالتزام بالصدق في الأخبار، ويدخل في ذلك التثبت عند النقل، فـ(كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) ويجب على الكاتب أن لا يسارع بتصديق ونشر الخبر الذي تميل نفسه إليه إلا بعد أن يخضعه لمعايير التحري والتوثيق، وأن يتثبت من مصداقية الخبر، حتى يتعامل مع الواقع الفعلي لا مع ما يتمنى حدوثه.
سادساً :
العدل في الأحكام، بحيث لا تحملنا الخصومة والعداء على الحيف والظلم، والله تعالى يقول: (ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فعداوة الكفار – حتى في حال الحرب - لا تمنع من تحقيق العدل معهم، ولا تجيز إيقاع الظلم عليهم، فإذا كان هذا في التعامل مع الكفار المحاربين، فكيف بالمخالفين من عامة المسلمين فضلاً عن المجاهدين.
سابعاً:
الرفق والرحمة، فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولانزع من شيء إلا شانه، وقد أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وليس يجني الكاتب من استخدام أسلوب العنف والاستطالة على أعراض المخالفين سوى العداوات وامتلاء القلوب بالحقد والكراهية مما يضر بصاحبه في الدنيا والآخرة، ويمنعه من تحقيق أهدافه المشروعة.
ثامناً :
تجنب الكتابة فيما لا يحسنه الكاتب، والاستفادة من المختصين في المواضيع التي يرغب الكتابة فيها.
تاسعاً :
تعويد النفس على قبول النقد والاعتراف بالخطأ، ونقد الذات, فذلك سبيل للثقة والاطمئنان على مسار العمل , وقد دلت النصوص المتوافرة على ذلك , إذ الهدف من نقد الذات والاعتراف بالخطأ أن يتم التصحيح و تجنب الأخطاء , وقد عاتب الله المؤمنين بعد معركة أحد بقرآن يتلى على مر الزمان إذ يقول سبحانه ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)، وقال في موضع آخر ( قل هو من عند أنفسكم) فانظر كيف أبان الله واقع المسلمين آنذاك لما فيه من المصلحة، مع أن العدو الكافر قد يستثمر هذا العتاب في الشماتة بالمسلمين.وهاهو صلى الله عله وسلم يقول عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) , فلم يسكت عليه الصلاة والسلام على خطأ خالد تحت ذريعة أن لا يستغل كلامه الأعداء و يشمتون بخالد رضي الله عنه , كما أن نقده لخالد لم يحرمه من أن يصفه بأنه سيف سله الله على المشركين. وحتى لو ترتب على نقد الذات حصول بعض المفاسد فإنها تنغمر في الكثير من المصالح المترتبة عليه، وهذا لايعني بطبيعة الحال تعقب المجاهدين و التنقيب عن أخطائهم وإشاعتها , ولكن الحق في التوسط بين التضليل و التخذيل. خلافا لما يظنه بعض الكتاب من أن النقد يعني العداوة أو الكراهية, أو أنه يتسبب في التشكيك و إضعاف ثقة الناس بالمجاهدين. فتجد بعض كتاب التيار الجهادي يسارعون إلى اتهام الناقدين بالعمالة , وسبهم وشتمهم, وهذا دليل على ضعف الثقة بالنفس و التخوف من النقد , وإلا فأي مشروع هذا الذي يمكن أن يتهاوى بمقالة ناقد أو طعن طاعن , والحق لا يضره النقد الهادف البناء بل ينفعه ويقويه.
عاشراً :
البعد عن الضجيج و الزخم الإعلامي الذي لا يقف خلفه عمل حقيقي في الواقع, لأن ضرر هذا أكثر من نفعه, وقد ينقلب إحباطا يعصف بأنصار الجهاد ومحبيه والمتعاطفين معه، ومن نماذج ذلك ما حصل إبان الغزو الأمريكي لأفغانستان حيث تتابعت الرسائل والإخبار التي تفيد بمقتل مئات الأمريكيين في موقعة هنا أو هناك، وهي أرقام كبيرة , و أخبار مصنوعة لا صحة لها في الواقع , صنعها المحبون الذين يكذبون للجهاد وليس عليه, فماذا كانت النتيجة لقد انقشع الغبار عن قتلى وأسرى وجراح غائرة وإحباط كبير لكثير من المحبين الذين يتابعون الأخبار بلهفة و يصدقونها بحماس، ولا يقبلون مجرد التردد والتشكيك في صحتها.ومن نماذجه : ماكان يردده الأستاذ سياف في بيشاور أيام الجهاد الأفغاني الأول حيث كان يقول : (من كابل إلى القدس) و يجد من يصدق هذه العبارة ويكبر لها !! ولنا أن نتساءل اليوم: إلى أين انتهت هذه المقولة.ولقد كنا دائما ننقل للناس الصورة المشرقة للجهاد الأفغاني، حتى تفاجأ الناس بالاقتتال الشرس بين قادة الجهاد هناك، والذين مافتئنا نزكيهم ونمدحهم و نعلق عليهم آمال الأمة في قيام دولة إسلامية على أرض أفغانستان.
فعلى كتاب التيار الجهادي التعامل مع الواقع كما هو، وعدم المبالغة في نسج الصور الخيالية والمثالية حتى لا يتكرر الإحباط لدى المتعاطفين مع الجهاد.كانت تلك جملة من الوصايا التي أحببت أن أضعها بين يدي إخواني من كتاب التيار الجهادي، بهدف ترشيد وتطوير العمل، وتصويبه وتقويم مساره.

نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد
تم تحريره في 21 رجب 1428 هـ

القاعدة.. انقلاب أبيض

(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)


بدأ الشيخ أسامة بن لادن بتكوين "القاعدة" كتنظيم عسكري عالمي، يقوم على فكرة موجزة تتلخص في أن قدرات المجاهدين محدودة، وإمكاناتهم متواضعة، فعليهم أن يصرفوها في أولى الأهداف وأهمها، وتحديداً : التركيز على العدو الأوّل للمسلمين (أمريكا) بدلاً من تشتيت الطاقات في أماكن متعددة، وحين تبلورت هذه الفكرة وتحدد الهدف بشكل واضح لدى الشيخ أسامة، بدأ بالعمل على تحقيقه بكل الإمكانات المتاحة له، وذلك من خلال محاور متعددة، منها :
1- التوعية الإعلامية بخطر الأمريكان وعدائهم للمسلمين، وإعانتهم لليهود في فلسطين..
2- الدعوة إلى الحرب الاقتصادية، ومقاطعة البضائع الأمريكية.
3- العمل على إقناع الجماعات الجهادية، والحركات الإسلامية في العالم الإسلامي بتبني هذه الفكرة، وتوحيد الجهود لتحقيقها.
4- تحريض شباب الأمة، وإعدادهم لتحقيق هذا الهدف من خلال البيانات المختلفة، ومعسكرات التدريب وتكوين مجموعات العمل في طول العالم وعرضه.
5- ضرب الأمريكان في عقر دارهم، وتعقبهم في كل مكان من العالم.
ويعتبر الشيخ أسامة بحق هو صاحب فكرة استهداف الأمريكان، وجمع الجهود لذلك والتي لخصها في شعار (ضرب رأس الأفعى)
وقد عانى الكثير لتحقيق هذه المحاور السابقة و كان من أبرز الصعوبات التي واجهها: إقناع الجماعات الجهادية والحركات الإسلامية بتبني هذه الفكرة وترك المشاريع المحلية التي عبر عنها بـ(ذيل الأفعى)، وتأتي مرتبة متأخرة من حيث الأولويات.
وكان من أبعد الجماعات الجهادية عن تبني هذا المشروع (جماعة الجهاد المصرية)، والسبب أن الجماعة من أصلها قامت على فكرة محلية تتلخص في إسقاط النظام المصري وإقامة دولة إسلامية على أنقاضه، ولذا فإن فكرة الشيخ أسامة تتناقض مع الأصل الذي قامت عليه جماعة الجهاد المصرية.
وكانت جماعة الجهاد المصرية تتخذ من أفغانستان محضناً لاستقطاب الشباب وإعدادهم وتدريبهم ثم بعثهم إلى مصر، ولم يكونوا مقتنعين بالقتال في أفغانستان، بخلاف (ابن لادن) الذي توسع في إنشاء المعسكرات وعمل على استقبال أعداد كبيرة من الشباب للتدريب والتأهيل للعمل الجهادي والبيعة على الجهاد في سبيل الله في كافة الأرض وليس في أفغانستان فحسب، وكانت أرض أفغانستان لأبناء القاعدة بمثابة المستشفيات الجامعية لطلاب الطب، إذ كانت موضعاً للتدريب العملي والتطبيق الميداني.
ومن خلال اللقاءات بين (الشيخ أسامة بن لادن) و(الدكتور أيمن الظواهري -جماعة الجهاد المصرية) كان يبرز على السطح دائماً التباين في الرؤية للعمل الجهادي بين المحلي والعالمي.
وكان المصريون في بيشاور وأفغانستان من (جماعة الجهاد المصرية) و(الجماعة الإسلامية) يدعون أبناء الخليج واليمن للعمل في بلادهم ضد الأنظمة، ويحاولون إقناعهم بأن هذا العمل أولى من القتال مع الأفغان، وأن أرض الخليج أولى بإقامة الجهاد فيها من أجل إسقاط الأنظمة وإقامة الدولة الإسلامية هناك، خلافاً لمشروع (ابن لادن) الذي استنفر هؤلاء الشباب واستقطبهم لمشروعه العالمي في ضرب رأس الأفعى.
واستمر الخلاف حول هذه المسألة بين (الشيخ أسامة بن لادن) و(الدكتور أيمن الظواهري) حتى بعد الانتــقال إلى السودان.
وكان أول تقارب حول الفكرة العالمية بينهما، حين وقع (الظواهري) على وثيقة الجبهة العالمية 1998م نيابة عن جماعة الجهاد المصرية، مما جعل مجلس شورى جماعة الجهاد يعاتبه على هذا التصرف ويرفض الانضمام إلى هذه الجبهة لأنها خلاف الأصل الذي قامت عليه الجماعة.
ومنذ ذلك الحين والسؤال الذي أخذ يتردد على ألسنة المراقبين هو : هل استطاع (أسامة بن لادن) أن يغيّر من فكر (الظواهري) حول هذه المسألة الرئيسة، مما جعله ينتقل من المشروع المحلي إلى المشروع العالمي؟ أم أن هنالك أمر آخر ؟.
وبرغم المعوقات التي واجهها (الظواهري) في توجهه الجديد من قبل رفقاء دربه في (جماعة الجهاد) إلا أنه بقي مصراً على هذا التوجه الذي كلّله ببيعته لـ(ابن لادن) في منتصف عام 2001م لينضم إلى تنظيم القاعدة.
فهل كان تحول (الظواهري) عن قناعة؟ أم أنه نتيجة للظروف المحيطة بالعمل و التي جعلت الهدف الذي قامت عليه الجماعة يبتعد شيئاً فشيئاً مع سلسلة النجاحات التي حققها النظام المصري في ضرب الحركة، والتي كان من أهمها :
قيام ألبانيا بتسليم عدد من قيادات الجهاد المصري إلى مصر، والتي تسببت في اعتقال عدد كبير من المنتمين لجماعة الجهاد فيما سمي بقضية (العائدون من ألبانيا).
ضربة (طلائع الفتح) من الشباب الذين عادوا إلى مصر لإحياء العمل في مواجهة النظام حيث اعتقلوا جميعاً وكشفت أوراقهم.
الاختراق الاستخباراتي الذي حققه النظام المصري للجماعة في السودان عن طريق ابن أحد أعضاء مجلس شورى الجماعة.
تضييق الخناق على إقامة وتحرك قيادات الجماعة، حتى في السودان حيث طلب منهم مغادرة البلاد.
الخلاف مع (د. فضل - سيد إمام) أمير الجماعة السابق ومنظرها الفكري والشرعي، والذي فارق الجماعة وأصبح يكتب ضدها.
ضعف التمويل للعمل مما جعله يراوح مكانه ويعجز عن القيام بخططه المرسومة.
هذه الأسباب وغيرها قد تكون أدت إلى إحباط (الظواهري) وتخليه مرحلياً عن فكرته الرئيسة باستهداف النظام المصري.
ويبقى التساؤل هل تغيّر (الظواهري) بالفعل ؟
لم يكن بإمكان المهتمين في هذه القضية الجزم بإجابة واضحة، إلا أن الزمن كفيل بتوضيح الحقيقة.
وفي رأيي إن الحقيقة بدأت تظهر ملامحها في هذه الفترة التي أصبح فيها (الظواهري) الرجل الأول فعلياً في تنظيم القاعدة، كما أصبح قدماء (جماعة الجهاد المصرية) يسيطرون على قيادة (تنظيم القاعدة) والتي تكللت بتعيين (الشيخ سعيد - المحاسب) رئيساً للتنظيم في أفغانستان، إضافة إلى تعيين (أبي أيوب المصري) قائداً فعلياً للقاعدة في (الدولة الإسلامية في العراق)، و(محمد مكاوي - سيف العدل) رئيساً للمجلس العسكري للعمل في الخارج، والموجود حالياً في إيران.
والذي يظهر لي أن (تنظيم القاعدة) بدأ يتجه في خط آخر منذ تعيين (القيادات الجديدة)، هذا الخط الذي ينقض أصل الفكرة التي قام عليها (تنظيم القاعدة) يوم أن بدأه (الشيخ أسامة بن لادن)، ولهذا بدأ التحول من ضرب رأس الأفعى إلى ضرب ذيلها، واستهداف الأنظمة بدلاً من أمريكا، وهو ما يمكن اعتباره (انقلاباً أبيضاً) داخل القاعدة
ويمكن إجمال أبرز معالم التحول الجديد الذي أسميته بـ (الانقلاب الأبيض) فيما يلي :
1- في الجانب الإعلامي : حيث وقع تحول كبير في الخطاب الإعلامي إذ بدأ يتجه بشكل حاد ومستفيض للحديث عن الأنظمة، والدعوة إلى إسقاطها، وبشكل متكرر يكاد يطغى على الحديث عن أمريكا وبريطانيا اللتين تمثلان رأس الأفعى.
2- في الجانب العملي : حيث نفذ التنظيم عدداً من العمليات في البلاد العربية والإسلامية، وهي عمليات تصب في المشروع المحلي على حساب المشروع العالمي، ومن ذلك العمليات في السعودية والكويت والمغرب والجزائر مما لا يمكن تصنيفه بأي حال أنه ضرب لرأس الأفعى.
3- توجه (د. أيمن الظواهري) في خطابه لاستهداف "حركة الإخوان المسلمين" والحملة عليهم، حتى أن المجاهدين الذين يتخندقون في مواجهة اليهود من المحسوبين على "الإخوان" كـ" حركة حماس"، لم يسلموا من نقد الدكتور وهجومه الصارخ عليهم، وكأنها تصفية حسابات قديمة، ولئن كانت تليق بمسؤول في جماعة إقليمية في مصر أو غيرها، فإنها لا تليق بالرجل الأول أو الثاني في جماعة عالمية.
4- اللغة الهادئة بل والمؤيدة عند الحديث عن "حزب الله" أو "إيران"، هذه العلاقة معروفة سابقاً عن جماعة الجهاد المصرية من أيام الخميني وإلى اليوم، ويعتبر إقحام (تنظيم القاعدة) العالمي في هذا الاتجاه ذا أبعاد خطيرة على سمعة التنظيم وولاء أهل السنة له وثقتهم فيه، كما أن له أثراً على مستقبل العمل مما قد يعيد دور ابن العلقمي حين تغدر إيران وتبيع (القاعدة) لأمريكا، في صفقة تحقق لها مرحلة من مشروعها الصفوي الفارسي في العالم الإسلامي.
هذه بعض المعالم التي تؤكّد أن (تنظيم القاعدة) يشهد تحولاً خطيراً في ظل قيادة (د. أيمن الظواهري) وقدماء (حركة الجهاد المصرية) لها، ولا أستطيع أن أجزم بأن (الظواهري) قد دخل مع (الشيخ أسامة بن لادن) وفي ذهنه البقاء على مشروعه المحلي، مترقباً الفرصة لتحقيقه على يد (القاعدة)، وإن كان ذلك احتمالا وارداً ؛ إذ قد يكون التحول تم بشكل تلقائي غير مرتب بشكل مسبق، بسبب طبيعة (الظواهري) وتكوينه الفكري السابق مما جعله يتحول إلى الأهداف المحلية.
ويحتمل أن يكون (الظواهري) قد رأى أن المشروع العالمي أصبح متعثراً ومتعذراً بسبب الاحتياطات الأمنية التي اتخذتها أمريكا ودول أوروبا، وأن الدول العربية والإسلامية باتت أسهل للاستهداف.
ويبقى التساؤل الأخير : ما هو مستقبل القاعدة في ظل التحول الجديد ؟
وجواباً على ذلك أقول : إن (تنظيم القاعدة) بهذا التحول الجديد فقد الأصل الذي قام عليه، والفكرة التي جمعت الأمة، وأكسبته التعاطف من عموم المسلمين، بفكرته البسيطة الواضحة المقبولة من الناحية الشرعية والسياسية الواقعية.
ذلك أن أمريكا استفزت الناس وقتلت وأسرت ودمرت في بلاد المسلمين، وملئت قلوب المسلمين - برهم وفاجرهم- حنقاً عليها، كما أنها تمارس الاحتلال العسكري المباشر لأفغانستان والعراق، وتقدم المساعدة الكاملة لليهود في فلسطين، وتعتقل المئات من المسلمين، مما جعل هذه الفكرة وهي (ضرب رأس الأفعى) محل إجماع بين كثير من المسلمين، مما يجعل من الصعب على أولياء أمريكا الدفاع عنها، وكل من قام بذلك من المسلمين وغيرهم سقط من أعينهم وانضم إلى عدوهم المجمع على عداوته.
وبفقدان (تنظيم القاعدة) لهذه المكتسبات واقتحامه لمسائل يختلف الناس حولها باستهداف الأنظمة والعمل في البلاد الإسلامية فإنه – برأيي – مؤدِ في النهاية إلى انحسار مد (تنظيم القاعدة)، وفقدانه الكثير من أنصاره والمتعاطفين معه، وبخاصة في المناطق خارج الهدف الأصلي، فجهاد المحتل في أفغانستان والعراق وفلسطين والشيشان يحظى بدعم المسلمين وتعاطفهم، لكنه لا يحظى بذلك حين يكون العمل في مصر والأردن والسعودية وغيرها.
ومهما بذل (الظواهري) من جهود إعلامية وخطب وبيانات فلن يتقدم العمل خطوة إلى الأمام بل سيعود إلى المربع الأول : جماعة الجهاد المصرية.
ولينظر (الظواهري) إلى المؤيدين لـ(جماعة الجهاد) بعد السلسلة الماضية من الإخفاقات ومدى العزوف عن أطروحاته، وإذا كان هذا الحال في مصر التي هي معقل التنظيم – صاحب الفكرة – التي تربى عدد من شبابها على أدبياته، فلن تكون الحال أحسن في غيرها من المناطق وبخاصة دول الخليج التي تزخر بالعلماء الربانيين الذي لازالوا محل ثقة الشباب، وقد أبانوا عن موقفهم من المشروع المحلي بشكل واضح جداً، وعبروا عنه بشكل علني.
وقد خاضت تلك البلاد تجربة ثبت فشلها برغم أنها ترفع شعار استهداف المصالح الأمريكية وإخراج المشركين من جزيرة العرب، فكيف يتوقع أن تحقق نجاحاً حين يكون المشروع استهداف الأنظمة الذي يطرحه (الظواهري) اليوم.
ولست هنا بصدد الحديث عن مشروعية هذا العمل من عدمه، فلعل ذلك يكون موضوع مقال قادم بإذن الله، لكني هنا أتحدث عن مدى واقعية المشروع وإمكانية نجاحه.
نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.

وصلى الله على نبينا محمد

تم تحريره في 5 شعبان 1428هـ

القاعدة وإيران


(أرجو من القارئ الكريم إتمام قراءة المقال قبل الحكم عليه)

يحاول بعض الخصوم لمز (تنظيم القاعدة) بسبب علاقتها مع إيران، ومحاولة تفسير هذه العلاقة بأسلوب قذر يخالف الموضوعية، حيث ليس لديهم أكثر من مجرد تخرصات وأوهام وظنون قادهم إليها طبعهم الرديء
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وصدق ما يعتاده من توهم
وحيث أن بعض هؤلاء الخصوم لا يجدون غضاضة في العمالة لأمريكا والغرب بشكل عام؛ فهم أحقر من أن يكونوا مجال حديثنا.
لكن الموضوع في ذاته مهم، ولابد أن يكون مجال حوار بين الإسلاميين بشكل عام والتيار الجهادي بشكل خاص لأن له عواقب وآثار جديرة بالدراسة والتأمل.
وأمام ما يثار في وسائل إعلامية مختلفة من تحليلات وأخبار عن علاقة القاعدة بإيران، ينفي أنصار القاعدة هذا الاتهام بقوة ويشتمون ويتهمون كل من يثير هذه التهمة، وتتعامل قيادة القاعدة مع ما يثار بصمت تام حيث لا تعليق !!.
وللحوار حول هذه المسألة أطرح عدداً من الأسئلة:
ما حكم العلاقة بإيران من الناحية الشرعية ؟
ما صحة ما يثار من علاقة بين القاعدة وإيران ؟ وما تفسير هذه العلاقة إن وجدت ؟
كيف يتصور وجود علاقة بين القاعدة وإيران، مع ما يجري في العراق وبخاصة بعد تهديدات أبي عمر البغدادي الصريحة لإيران ؟
وجواباً على تلك الأسئلة أقول مستعيناً بالله، سائلاً إياه التوفيق للحق والصواب :
حكم العلاقة بإيران من الناحية الشرعية :
يعتمد كثير من الإسلاميين في علاقتهم ببعض الكفار أو أهل البدع لمواجهة مبتدعة آخرين أو كفار أشد بنصوص من السيرة النبوية الشريفة، وبأقوال لأهل العلم، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استثمر قرابته لعمه أبي طالب؛ حيث كان يحوطه ويدفع عنه، وكذا قرابته من بني هاشم الذين دخلوا معه الشعب ولم يكونوا على دينه، وكذا حضور العباس بيعة العقبة ليستوثق لابن أخيه، وكان يومئذ مشركاً، وكذلك حلف الفضول الذي تعاقد فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين على نصرة المظلوم، ومعاهدة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود على حماية المدينة من كل غاز لها.
إضافة إلى الاستناد إلى القواعد الفقهية التي تؤكد مشروعية ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما.
ومن أشهر الفتاوى في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التعاون مع أهل البدع حيث قال: " فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة، مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسألة فيه تفصيل " (مجموع الفتاوى 28/212)
هل من علاقة بين القاعدة وإيران ؟
قبل الإجابة حول علاقة القاعدة بإيران ومدى صحة ذلك، أحب أن أقدم ببعض المقدمات، وهي كما يلي:
1- أن كثيراً من أنصار القاعدة الذين ينفون هذه العلاقة بقوة، إنما يأتي نفيهم بسبب ما تقرر في نفوسهم من أن ذلك محرم شرعاً، ويهدد مصداقية القاعدة وشعبيتها.
والغريب أنهم غفلوا أو تغافلوا عن صمت القيادة عن حسم هذه الاتهامات بمواقف صريحة وواضحة من موضوع العلاقة بإيران، في الوقت الذي تتعقب فيه (قيادات القاعدة) الأنظمة العربية بمناسبة وبغير مناسبة.
2- أن أنصار القاعدة في الخليج وبلاد الحرمين على الخصوص تربوا على بغض الرافضة والتحذيرمن خطرهم، فليس لديهم أي استعداد أن يتقبلوا فكرة أن تكون هناك علاقة بين محبوبهم (القاعدة)، ومبغوضهم (الرافضة)، بغض النظر عن شواهد الواقع وقرائن الحال، أو المصالح المترتبة على هذه العلاقة.
3- أن الذين لم يتعاملوا مع إيران لا يتصورون حجم الافتتان بها في ميدان التعامل بعيداً عن التصور المستقر في الذهن عن الرافضة، ولعل من نماذج ذلك ماعاشه المجاهدون في الأزمة الأفغانية الأخيرة بعد الاجتياح الأمريكي، حين انحاز بعض المجاهدين إلى باكستان (السنيّة) ثم بيعوا بدولارات معدودة للعدو الأمريكي، بينما استقبل المنحازون إلى إيران الشيعية (الرافضية) بحفاوة وتم إسكانهم الفنادق ومنحهم الجوازات - لمن فقد جوازه أو كان مطلوباً باسمه في الجواز السابق-، وكانت عبارات الثناء على أداء المجاهدين، والسب والشتم لأمريكا وأعوانها تتردد على مسامع المجاهدين هناك.
4- أن علاقة الجماعات الجهادية المصرية بالنظام الإيراني قديمه منذ اغتيال السادات عام 1981م حيث أثنت إيران على هذا الإنجاز وأسمت شارعاً كبيراً في طهران باسم (خالد الاسلامبولي) قاتل السادات، وأصبحت إيران ملاذاً آمناً للمطاردين من الجماعات الجهادية المصرية، وتواصلت علاقات تلك الجماعات مع (حزب الله) في لبنان، فتدرب عدد من الكوادر الجهادية المصرية في معسكرات حزب الله في لبنان.
5- أن العلاقة بإيران ليست فقط من قبل القاعدة أو الجماعات الجهادية المصرية بل إن علاقة حماس والجهاد الفلسطيني بها ليست تخفى على أحد، بل هي معلنة، ولهم تبريراتهم لهذه العلاقة.
6- أن المتغيرات السياسية والأحداث الواقعية قد تجعل العلاقة بين القاعدة وإيران أكثر من مجرد مصالح متبادلة، أو التقاء مؤقت لمواجهة عدو مشترك، فلو تم ضرب إيران من قبل أمريكا أو إسرائيل فسيكون الانقلاب في الشارع الإسلامي وفي بعض التيار الجهادي مذهلاً.
وبعد هذه المقدمات، أحب أن أختم المقال بهذه التوصيات:
1- على المخالفين للقاعدة من الإسلاميين والجهاديين أن لا يفرحوا بهذه المعلومة للطعن في إخوانهم واتهامهم، والمبالغة في تحميل هذه العلاقة أكثر مما تحتمل، وإذا كان ثمة ملاحظة أو تحفظ على هذه العلاقة فلينصحوا إخوانهم بالأسلوب المناسب ولا يعينوا عليهم الأعداء.
2- على إخواننا في (قيادة القاعدة) أن لا يكتفوا بالصمت تجاه هذه العلاقة، فالمسألة مثارة بشكل كبير، والأعداء يستغلونها في إثارة الشكوك حول مصداقية القاعدة، فماذا عليهم لو اعترفوا بها وبرروها بما لديهم من المبررات الشرعية التي جعلتهم يرتبون هذه العلاقة، وحتى لو لم يقبل المخالف هذه المبررات فإنها تبقى ميداناً للاجتهاد، فـ(الصمت) يزيد المشكلة ويوسع دائرة تأثيرها السلبي، و(النفي) كذلك يسبب مشكلة أخرى إذ لايلبث أن يثبت خلافه، فتنهار مصداقية هذه القيادات لدى أتباعهم وأنصارهم قبل المخالفين لهم.
وعلاقة حماس بإيران يتفهمها كثير من الإسلاميين مع مخالفتهم لها في ذلك، ولا يشككون في عقيدتهم أو ولائهم بناء على وجود تلك العلاقة.
3- على إخواننا من أنصار القاعدة والمتحمسين لها أن لا ينشغلوا بنفي هذا الخبر، أو أن يكيلوا الاتهامات لكل من تناول هذا الموضوع، فماذا لو استطاع المخالف إثبات هذه العلاقة ؟ وماذا لو أن القيادة اعترفت بذلك لاحقاً؟ كيف سيكون موقفهم من مئات بل آلاف المقالات التي تنفي هذه المعلومة وتشكك في كل من ذكرها، وتعتبر العلاقة انحرافاً عن المنهج، وضلالاً تنزه عنه القاعدة.
وليعطوا لأنفسهم خطاً للرجوع في حال ثبوت هذه العلاقة، مثل أن يقولوا: أنه في حال ثبوت هذه العلاقة فإن الأمر من السياسة الشرعية المنوطة بأمير الجماعة أو قائد الجيش ونحو ذلك.
وإن العلاقة بإيران لا تعني بالضرورة الموالاة لها أو العمالة أو غير ذلك مما يخطر في الذهن حين ذكر هذه العلاقة.
وبناء على ما تقدم فإني أقدم النصائح التالية لإخواننا في القاعدة:
نحن نعلم أن الرافضة لا يطمعون في نقل (القاعدة) إلى التشيع وترك السنة، ولكننا نعلم أيضاً أن هذه العلاقة وما يترتب عليها من خدمات وتسهيلات ومعونات ليست نصرة مجردة، بل لها مقاصد وأهداف من ورائها، ومن ذلك ما يمكن تسميته بـ(التشيع السياسي) بموافقة الرافضة في توجهاتهم السياسية ودعم مواقفهم.
ويبدو أن شيئاً من ذلك قد وقع فعلاً، كما يتضح ذلك من بيانات (الظواهري) حول أحداث لبنان، حيث يظهر منه بوضوح تأييد حزب الله في حربه ضد إسرائيل، ودعوة اللبنانيين للوقوف معه، ومواجهة الدعوة لنزع سلاح الحزب.
أن الاستدلال على مشروعية (العلاقة مع إيران) لا يكتفى فيه بالاستدلال بمسألة جواز الاستعانة بالمبتدع أو الكافر ضد من هو شر منه، لأنه يشترط في ذلك أن لا تكون الاستعانة بذلك المبتدع أو الكافر سبباً في تقويته بما يضر بالمسلمين.
وذلك أن إيران ليست مجرد نظام مشرك يعادي أهل السنة أو مبتدع بدعة غليظة؛ بل أن إيران تحمل مشروعاً صفوياً فارسياً، له أهدافه وطموحاته في العالم الإسلامي وفي منطقة الخليج بشكل خاص، وهو لا يقل خطراً عن المشروع الصهيوصليبي، وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما يجري في العراق، فإن المعتقل من أهل السنة يتباشر أهله إذا تبين أنه معتقل لدى الأمريكان، والجثث المجهولة التي تعلن يومياً شاهد على عظم شر الرافضة.
وحينما يروي لنا التاريخ أخبار خيانات الرافضة وما فعلوه بالمسلمين ومعونتهم للأعداء المحتلين للبلاد ضد أهل السنة، لا نظن أن أولئك الخونة قد أظهروا العداوة لأهل السنة، وأن أهل السنة من الغفلة لدرجة الانخداع بهم لولا ما أظهروه من النفاق وعظم المكر بحيث نفذت الحيلة وأصابت دولة الإسلام في مقتل.
ورافضة اليوم أخبث وأعظم مكراً، فلا نغتر بفهمنا وسياستنا ونجدد بذلك تاريخ ابن العلقمي.
أما التعامل وتقاطع المصالح مع المخالفين من المبتدعة والكفار فأمر له ما يسوِّغه في الشريعة، ومن أمثلة ذلك : لو أمكن إقامة علاقة مع (فنزويلا) وتلقي الدعم منها فلا حرج في ذلك وفق ضوابط شرعية محددة، إذ ليس لها أي مطامع أو مشاريع سياسية أو فكرية في المنطقة.
قد يكون لدى القيادات الكبيرة في القاعدة وعي بطبيعة العلاقة وخطورتها، وقد يتخذون احتياطاتهم لذلك، ولكن العلاقة الميدانية مع الطرف الإيراني أوسع من تلك القيادات الواعية، وبخاصة حين يكون المتعامل معهم من الصف الأول أو الثاني قليل البضاعة في العلم الشرعي، ويرى منهم تعاطفاً مع قضيته وعداءًً قوياً لأمريكا وأعداء الإسلام مما قد يورث لديه قناعات داخلية بصدقهم، وأن العلاقة بهم يجب أن تتجاوز تقاطع المصالح من طرف خاص إلى تعاون استراتيجي، وهذا ما يمكن اعتباره اختراقاً قد يتعرض له العمل الجهادي، وقد تعرضت بعض الجماعات للاختراق بنحو من هذا السبب وبمثل هذه الصورة.
قد يرى الإخوة أن هذه العلاقة على سبيل الاضطرار وليست اختيارية، وعلى هذا فإن الضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع فيها أكثر من حد الضرورة.

أما عن كيفية تصور وجود علاقة بين القاعدة وإيران، مع ما يجري في العراق وبخاصة بعد تهديدات أبي عمر البغدادي الصريحة لإيران؟
فلاشك أن القاعدة في العراق تقوم بعمليات كبيرة ضد الرافضة، عامتهم وخاصتهم، لكن مشروع استهداف الرافضة في العراق ليس مشروع القاعدة!، وإنما هو مشروع (أبي مصعب الزرقاوي) -رحمه الله-، وكانت هذه المسألة هي أبرز العقبات في طريق انضمام أبي مصعب إلى القاعدة، وكان أبرز شروط أبي مصعب في الانضمام للقاعدة أن يتقبل (الشيخ أسامة بن لادن) اجتهاد أبي مصعب في هذه المسألة ولا يمنعه منها، وإليك جزء من رسالة أبي مصعب الزرقاوي للشيخ أسامة حول هذه المسألة حيث يقول بعد أن بين أولوية قتال الرافضة في العراق " هذه رؤيتنا قد شرحناها، وهذا سبيلنا قد جليناه، فإن وفقتمونا عليه واتخذتموه لكم منهاجا وطريقا واقتنعتم بفكرة قتال طوائف الردة فنحن لكم جند محضرون نعمل تحت رايتكم وونزل على أمركم، بل ونبايعكم علانية على المأ وفي وسائل الإعلام إغاظة للكفاروإقرارا لعيون أهل التوحيد ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) وإن بدا لكم غير ذلك فنحن إخوة لايفسد الخلاف للود قضية، نتعاون على الخير ونتعاضد على الجهاد، وبانتظار جوابكم حفظكم الله مفاتيح للخير وذخراً للإسلام وأهله . آمين. آمين ".
علماً أن الزرقاوي تلقى عدداً من النصائح من (الظواهري) حول قضية استهداف الرافضة وكان مما كتب إليه:
"يتساءل كثير من المحبين لكم من عوام المسلمين عن سبب مهاجمتكم للشيعة، ويزداد هذا التساؤل حدة إذا كان الهجوم علي مسجد من مساجدهم، ويزداد أكثر إذا كان الهجوم على مرقد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ورأيي أنك مهما حاولت أن توضح هذا الأمر فلن يتقبله العوام، وسيظل النفور منه قائماً، بل وستدور التساؤلات في أوساط المجاهدين وأهل الرأي فيهم عن صواب هذا الصدام مع الشيعة في هذا الوقت، وهل كان لا بد منه أم كان يمكن تأجيله حتى يقوى عود الحركة المجاهدة في العراق؟ وإذا كانت بعض العمليات ضرورية للدفاع عن النفس فهل كل العمليات كانت ضرورية؟ أم أن بعضها لا داعي له؟ وهل فتح جبهة أخرى إضافية مع جبهة الأمريكان والحكومة يعد قراراً حكيماً؟ أليس ذلك مفيداً للأمريكان ومخففاً للعبء عنهم بانشغال المجاهدين بالشيعة، ويبقي الأمريكان في مأمن .. يديرون الأمور عن بعد؟ وإذا كان الهجوم علي بعض رؤوس الشيعة ضرورياً لإيقاف مخططاتهم، فلماذا الهجوم على عوام الشيعة؟ ألا يؤدي هذا لترسيخ المعتقدات الباطلة في أذهانهم، بينما يجب علينا أن نخاطبهم بالدعوة والبيان والتبليغ لهدايتهم للحق؟ وهل سيستطيع المجاهدون قتل كل الشيعة في العراق ؟ وهل حاولت أية دولة إسلامية في التاريخ ذلك؟ ولماذا يقتل عوام الشيعة مع أنهم معذورون بالجهل؟ وما الخسارة التي كانت ستلحق بنا لو لم نهاجم الشيعة؟ وهل تناسى الإخوة أن لدينا أكثر من مئة أسير ـ كثير منهم من القيادات المطلوبة في بلادهم ـ لدى الإيرانيين؟ وحتى إذا هاجمنا الشيعة للضرورة لماذا الإعلان عن هذا الأمر وإظهاره مما يضطر الإيرانيين إلى اتخاذ مواقف مضادة؟ وهل تناسى الإخوة أن كلا منا والإيرانيين في حاجة إلى أن يكف كل منا أذاه عن الآخر في هذا الوقت الذي يستهدفنا فيه الأمريكان؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تدور بين إخوانك وهم يراقبون الصورة عن بعد كما ذكرت لكم، والمراقب عن بعد تغيب عنه كثير من التفاصيل العامة التي تؤثر على القرار الميداني"
ولكن (أبا مصعب الزرقاوي) كان ممتلئاً بقناعة مفادها أن الرافضة هم الخطر الأكبر على أهل السنة في العراق، وهم أخطر من الأمريكان، فلم تُجدِ كل هذه الرسائل في ثني أبي مصعب عن مشروعه في استهداف الرافضة، والذي ربى عليه قواعد العمل في العراق طيلة توليه زمام الأمور هناك، يجعل من المستعصي على خليفته أن يصرف التنظيم عن ذلك الاتجاه بسهولة، أو خلال وقت قصير.
ولهذا فإن موقف (القاعدة في العراق) من الرافضة وإيران لا يعبر عن موقف ( تنظيم القاعدة) من الرافضة عموماً، ومن إيران خصوصاً.
نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويهدينا للسداد في القول والعمل.

وصلى الله على نبينا محمد
تم تحريره في 19 شعبان 1428 هـ

بين يدي المدونة

* نؤمن بمشروعية الجهاد، وضرورته، وحاجة الأمة إليه في هذا العصر وفي كل عصر، وأنه سبب لحفظ بيضتها وحماية مقدساتها. * نرى أن من عوامل نجاح الجهاد وتحقيقه لأهدافه : السعي في ترشيده وتسديد القائمين عليه، وأن النقد الهادف لصالح الجهاد وليس ضده. * نهدف إلى حماية المشروع الجهادي من التشويه، والذب عن أعراض القائمين عليه.